
التاريخ لا يكتبه إلا المنتصرون، ووليد الركراكي لم يفعل شيئاً منذ أن دخل في جلباب المدرب، مدرباً للأندية وبعدها مدرباً للمنتخب المغربي، سوى أنه كتب التاريخ بأحرف من ذهب، بل وتحول إلى صانع للسعادة، ومن فكره وذاته ووعاء أحلامه أطل ذاك النجاح المبهر الذي لازم المسار الأسطوري لوليد، هي خلطة سحرية من الإيمان بالحلم والاشتغال على النظم التكتيكية والشخصية القوية والكاريزما التي تنطق بها كلماته وأفعاله.
ما جاء وليد الركراكي للمنتخب المغربي رباناً تقنياً وراعياً لحلم شعب بكامله، إلا لأنه نشر الفرحة أينما مر، أهدى الفتح الرياضي لقبَ بطولة هو الأول له في التاريخ، لقباً انتظره زهاء خمسة وسبعين عاماً، وعرج بعدها على نادي الدحيل القطري فأهداه لقباً، وانعطف على الوداد الرياضي فحمله لكوكب السعداء، وهو يمنحه في موسم واحد لقبين لدوري أبطال أفريقيا والبطولة الاحترافية الوطنية.
ورغم أنه لا أحد من اتحاد الكرة المغربي ومن الجماهير، طوق عنق وليد الركراكي بأي شيء وهو يصحب «أسود الأطلس» لمونديالهم السادس بقطر، 90 يوماً فقط بعد تنصيبه ناخباً وطنياً، إلا أن الرجل علمنا ما قيمة الحلم في حياتنا، وهو يقول: «صحيح أن الهدف الأسمى هو أن ننافس بعد سنة على كأس أفريقيا للأمم في نسخة كوت ديفوار، إلا أن لا أحد سيمنعنا بأن نحلم في مونديالنا هذا».
وكم كان الحلم جميلاً ورائعاً وهو يتحول بالعمل، بالإيمان، بالصبر وبروح العائلة، إلى حقيقة أبهرت العالم كله، فقد نجح الفريق الوطني بحكمة وفطنة ورجاحة فكر وليد الركراكي في قلب كل التوقعات والتضاريس، بأن تصدر مجموعة الموت، وبأن قهر الإسبان والبرتغاليين ولم يتوقف في مسيره الخرافي إلا وهو يبلغ الدور نصف النهائي لكأس العالم، ليصبح المنتخب المغربي أول منتخب عربي وأفريقي يصل للمربع الذهبي، وليصبح وليد الركراكي على كل لسان، بمنظومته الدفاعية الخرسانية التي هي اليوم قيد التحليل في مختبرات عالمية، وأيضاً بالقيم الإنسانية التي رسخها في هذا المونديال.
قيمة الحلم، قيمة الفخر بالانتماء للوطن، قيمة شرف حمل الأمانة وقيمة النية التي هي قوام العمل الصالح.
وكما أن منتخب الأسود دخل مونديال قطر مغموراً غير مُرَاهَنٍ عليه وخرج بطلاً متربعاً على عرش قلوب الملايين، فإن وليد الركراكي خامس أصغر مدرب في كأس العالم المنقضية، ترك في سجلات هذا المونديال كل دلائل النبوغ المغربي.
ومن يريد أن يستدل على النجاح المبهر لوليد الركراكي، المغربي والعربي الهوية، فعليه أن يطلع على القيم الرائعة التي يعيش بها وعليها وليد، القيم التي هي أساس فكره وفلسفته، قيمة الحلم وقيمة الإيمان بالقدرات وقيمة العمل الذي لا يترك للمستحيل باباً ولا مجالاً، فعلاً فكر الرجل يجب أن يدرس.



