
كل منعرج كروي خطير يمرّ به منتخب كرة القدم الجزائري، إلا واستنفر السلطات والشعب، وأحيانا يصبح الفوز في المباراة مسألة حياة أو موت، بل إن الفوز يصبح شبه مضمون، ضمن البيت الشعري الشهير: “إذا الشعب يوما أراد الحياة، فلا بدّ أن يستجيب القدر”.
ما يحدث حاليا من استعداد على جميع المستويات، لأجل توفير كل الظروف السانحة لانتزاع المنتخب الجزائري تذكرة المشاركة في كأس العالم 2022، لا يختلف عن مواعيد سابقة، حدثت في سنوات مختلفة، وفي أزمنة رؤساء آخرين، ولكن بالصورة ذاتها، من خلال الوَحدة بين الشعب والدولة، حتى أنك تخال نفسك تشاهد فيلما تكرّر بثه عدة مرات، لينتهى دائما بالفرحة.
في أول نهائي تلعبه الجزائر في تاريخها المستقل، جمعها مع فرنسا في صائفة 1975 ضمن ألعاب البحر المتوسط، كان الجزائريون مصممين على الفوز وانتزاع الذهب، من بلد استعمرهم قرنا وثلث قرن، ولم يمض عن خروجه من أرضهم سوى اثنتي عشرة سنة، فكان الاتفاق على أن لا تكون لنهاية المباراة غير نتيجة واحدة، وهي الفوز، أمام أنظار الرئيس الراحل هواري بومدين ومائة ألف محارب بلقب مشجِّع، وجاء بعزيمة التقت فيها السلطة مع الشعب، واحتفل الجزائريون بانتصار ساهموا فيه جميعا.
وفي أول مشاركة للجزائر في كأس العالم في صائفة 1982، تعالت أصوات الاستهزاء عندما جمعت القرعة منتخب الجزائر ببطل أوروبا في ذلك الوقت ألمانيا الغربية، وبلغت درجة أن تعهّد المدرّب الألماني بالعودة من خيخون إلى ألمانيا مشيا على الأقدام، إن خسر أمام الجزائر، وتسابق اللاعبون الألمان على إهداء أهدافهم التي سيسجّلونها في مرمى الراحل مهدي سرباح، لزوجاتهم وعشيقاتهم، فما كان للجزائريين، دولة وشعبا، سوى استخراج وصفتهم الساحرة، وخلطتهم المتميزة، فأرسل الشاذلي بن جديد، ما لا يقلّ عن خمسة آلاف مناصر إلى إسبانيا، متفوقا عددا وحماسا على الألمان، وفاز الجزائريون في مباراة ستبقى راسخة في ذاكرة العالم بأسره.
وفي تصفيات كأس العالم في جنوب إفريقيا، تجاوز الأشقاء المصريون حدود اللباقة المرجوة، وبلغ بهم الجنون درجة شتم الشعب والشهداء وقذف حافلة الفريق الجزائري في القاهرة بالحجارة، ولم يكونوا يعلمون بأن الجزائريين في عالم الكرة، إن أرادوا، حققوا مبتغاهم، وبدلا من أن تكون المباراة الفاصلة في أم درمان، في 18 نوفمبر 2009، عرسا مصريا على أرض جيرانهم، تحوّلت إلى نعي من دون ترحُّم ولا عزاء، عندما شاهدوا في السودان، عشراتِ الآلاف من الجزائريين من الذين أرسلهم الرئيسُ الراحل عبد العزيز بوتفليقة في واحدةٍ من أشهر تنقلات المناصرين في العالم، إلى بلدٍ لا يوجد بيننا وبينه أي خط بحري أو جوي أو بري، فكان الفوز من قذيفة عنتر يحيى الشهيرة التي أرسلها وهو يدرك بـأن الملايين شاركوه في قذفها، والآن على ضفاف جابوما، حيث تألم الجزائريون منذ بضعة أسابيع، تعود نفس الوحدة بين الشعب والسلطة، كأننا نشاهد فيلما سابقا بالسيناريو والإخراج ذاته.. وطبعا بالنهاية ذاتها.
**نقلا عن صحيفة الشروق الجزائرية
قد يعجبك أيضاً



