إعلان
إعلان
main-background

مترجم من الفضاء

عدنان يوسف
11 يوليو 201420:00
8
يتحدث الجميع عن السباعية الألمانية التاريخية المذهلة الخارقة الجميلة المرعبة الصادمة لأرض سحر كرة القدم المؤلمة للبرازيل مستضيف نهائيات كأس العالم 2014،لكن دون أن يصدق المتحدث نفسه، ويحاول اعادة المباراة في ذهنه للتأكد ما اذا كان ال «مانشافت» الذي لعب على ملعب «مينيراو» في بيلو هوريزونتي مكون من 11 كائنا بشريا لأن الآلام التي تسببت لأهل الأرض كانت مبرحة جدا.

لقد انضمت تلك المباراة الى كلاسيكيات كرة القدم بفضل الحالة العاطفية النهائية لها والتي تجاوزت «ربما» الاحباط الذي عم البرازيل بعد نهائي مونديال 1950 في مقابل فرحة عارمة في مونتيفيديو وبرلين، وكذلك بفضل الأرقام التي تساقطت امام منتخب لا يرحم عندما تسنح له الفرصة، فالمانيا باتت أول منتخب في العالم يسجل سبعة اهداف في نصف نهائي المونديال، وهي أسرع من سجل نتيجة 5 -0 بعد ان حققتها في 29 دقيقة ، كما فصلت 179 ثانية بين الهدفين الثاني والرابع وتربعت على عرش أكثر المنتخبات تسجيلا برصيد 223 هدفا ، وأصبح مهاجمها ميروسلاف كلوزه الهداف التاريخي لبطولات كأس العالم برصيد 16 هدفا مزيحا الظاهرة البرازيلي رونالدو الذي أطاح في 2006 برقم اسطورة المانيا جيرد مولر.

ومن بين الارقام التعجيزية التي تحققت في تلك المباراة تسجيل توماس مولر 10 أهداف مع 6 تمريرات حاسمة في 12 مباراة علما بانه يخوض ثاني مونديال وعمره 24 عاما وهي ارقام تظهر مدى فاعلية وتأثير اللاعب البشع الذي لا يجيد الاحتفال بعد تسجيل الاهداف، والذي قال بعد المباراة :»لا أصدق ما حصل ، انه أمر جنوني بالفعل كل شيء حصل بشكل رائع».

ويقول الناقد هنري وينتر: «عند حضور لاعبي المانيا مقر الاتحاد لتجربة زي كأس العالم 2014 ارتدى مولر قميصه ثم اخذ قلما ورسم فوق الشعار نجمة رابعة».

وتلك النجمة تحتاج جهدا جبارا للظفر بها وهي غائبة منذ 24 عاما وربما أبصر الالمان بريقها في الأفق بعد ملحمة اول من أمس ، وربما اقترب المدرب يواكيم لوف اكثر من اي وقت مضى منها ولعل وجود لاعبين من طراز باستيان شفاينشتايغر وفيليب لام و توني كروس وماتس هاملز اضافة الى احد أفضل حراس مرمى في العالم مانويل نوير يعزز من تلك الحظوظ و يجعل الفوز بكأس العالم ممكنا جدا.

وخرج مولر من لقاء البرتغال بهاتريك وخرج من مباراة غانا بجرح غائر اعلى عينه اليمنى احتاج 5 غرز لعلاجه ، وانهى لقاء الولايات المتحدة بمفرده، وركض في لقاء الجزائر حتى آخر لحظة من المباراة التي استمرت 120 دقيقة وظل يجوب أرجاء الملعب فيما يتساقط اللاعبون هنا وهناك، وبدا في لقاء فرنسا انه الوحيد الذي لا يعرف معنى درجة الحرارة ثم فتح الجحيم على البرازيل ويقول الناقد في «فايننشال تايمز» سايمون كوبر :» لاحظ التناقض واثره على كل منتخب، ركز في مولر ثم ألق نظرة على البرازيلي فريد ستجد فرقا هائلا بين الرجلين انه اسلوب يعكس فكر كل بلد عن كرة القدم حاليا». مولر يلعب مهاجما صريحا وعلى الجناحين ويستطيع اداء دور صانع الالعاب بكفاءة وهو مهاجم وهمي بامتياز، وبامكانه اللعب تحت المهاجم، واحيانا تجده يبعد الكرات امام مرمى نوير، لذلك يشعر النقاد بشيء من الحيرة حول مهمته في الملعب وحول ما اذا كان لاعب وسط او جناح او مهاجم ، وسالته صحيفة «زود دويتشه تسايتونج « ذات مرة ، فاجاب «ماذا أنا؟ « ثم اردف « أنا مترجم من الفضاء... هذا عنوان مناسب، أليس كذلك؟».

النجم الكبير هو الذي يفرض نفسه في المنافسات المهمة، ومولر سجل مع منتخب المانيا 22 هدفا في 55 مباراة دولية منها 4 اهداف فقط في مباريات ودية، ومع فريقه بايرن ميونيخ سجل في جميع المستويات وصولا الى نهائي دوري ابطال اوروبا.
ربما لا تغري هيئته المدربين فساقيه نحيلتين وجواربه نازلة ولا يمتلك عضلات بارزة لذلك لم يعتمد عليه يورغن كلينسمان عندما كان مدربا لبايرن رغم ان مهارته امتدحها جيرد مولر عندما كان يعمل في النادي ،بينما اقتنع المدرب الهولندي المخضرم لويس فان غال بالشاب القبيح، وتلك حالة تعكس كيفية النظر الى لاعب كرة القدم من الداخل والخارج.
مولر الذي اعتقد الاسطورة دييغو مارادونا انه طفل من جامعي الكرات، يسمونه اصدقاؤه «مولر الراديو « فهو لا يكف عن الضحك والحديث والنقاش، وهذا الفتي المولود يوم 13 سبتمبر 1989 في فايلهايم ( احدى ضواحي بافاريا) دخل بايرن ميونيخ وهو في العاشرة وتدرج فيه و كذلك في المراحل السنية لمنتخب المانيا حتى اقنع لوف بضمه قبل مونديال 2010 باشهر قليلة، وفي تلك النهائيات ظهر بعد مباراة انجلترا (انتهى بفوز المانيا 4-1) في لقاء تلفزيوني قصير واهدى الفوز فيه «لجده وجدته « ليظهر الطفل البريء في داخل هذا النجم فعليا.

يقول النجم الانجليزي السابق جاري لينيكر: «مولر يفعل ما يفعله آل مولر»، ويشير المهاجم الاسبق والناقد الحالي الى جيرد مولر وهانزي مولر واندرياس مولر وهم جميعا نجوم لا يشق لهم غبار فيما لم يشذ توماس عن القاعدة، لكنه يشبه جيرد في تلك الهيئة التي لا تثير الاعجاب فالأخير قصير متين فرحته بالهدف لا تتجاوز القفز 3 سنتيمتر عن الارض، وتوماس كأنه عداء مسافات متوسطة. مولر المتزوج من الفارسة ليسا بطلة قفز الحواجز ، لاعب ربما لا تظهر فنياته كثيرا لكنه اعلى ذكاء من الاخرين، يعرف اين يقف ويدرك اين يكون السقوط ومتى يحتج على الحكم و يبدو انه يحلل اداء منافسيه، اما تحركه في الملعب فهو خارق للعادة لا يمكن ان يجيده لاعب اخر، واضافة الى اختياره مواقع قاتلة فهو يخلق مساحات لزملائه بعبقرية فريدة حتى ان معلق الماني صرخ ذات مرة انه يركض بذكاء لا يدركه زملاؤه احيانا.

الامر الوحيد الذي يمكن تفسيره لذلك الشغف و الحماس والطاقة التي يمتلكها توماس مولر داخل الملعب هو ان والده جيرهارد كان يعمل في شركة BMW الشهيرة وفي قسم الدراجات النارية.

** نقلا عن جريدة "النهار" الكويتية
إعلان
إعلان
إعلان
إعلان