


على شاكلة المأساة الإغريقية القديمة التي تنتهي بانتحار البطل، أقدم النجم الأرجنتيني الشهير ليونيل ميسي، «أفضل لاعب في العالم» على الانتحار دولياً، بإعلانه اعتزال اللعب لمنتخب بلاده، كرد فعل مباشر لعدم نجاحه في تحقيق لقب بطولة «كوبا أمريكا»، للمرة الثانية على التوالي أمام منتخب تشيلي نفسه.
والدنيا قامت لهذا الخبر، ولها أن تقوم ولا تقعد بسببه، وعساها المرة الأولى التي يتقدم فيها ذكر رد الفعل على الفعل نفسه في أولوية نشر أي قصة خبرية، حيث تقدم إعلان اعتزال ميسي على فوز تشيلي باللقب.
إنها حقا مأساة من الناحية الإنسانية،والمعاناة التي عاشها ويعيشها ميسي حالياً جعلت الكل يتعاطف معه ويتأسى لأجله، فالنجم الشهير حقق من الجوائز والألقاب مع برشلونة الإسباني الكثير وحطم من الأرقام القياسية ما يجعله أسطورة تاريخية، لكنه مع منتخب بلده لم ينجح في تحقيق لقب واحد حتى الآن، وتكرار المشهد ثلاث مرات في مونديال البرازيل 2014 ثم في كوبا أمريكا 2015 و2016،جعل المسألة تكبر حتى أصبحت «عقدة حياته» كما يقال، فكان لا بد وفق حساباته من هذا القرار الذي أعلن به انسحابه وخسارته لتحدي عمره وتاريخه مع منتخب بلده.
كان مشهد ميسي وهو واجماً حزيناً بعد المباراة أبلغ من أي كلام، ولذا سجلت عدسات المصورين كل انفعالاته ثانية بثانية، وكانت مبادرته إلى خلع قميص المنتخب بالصورة التي رأيناها فيها من المعاني ما يجسد يأسه وانهياره الداخلي، وما يمهد لقرار الانتحار الدولي الذي أعلنه بعد مغادرته للملعب بقوله «المنتخب انتهى بالنسبة لي». ولنا أن نتوقف عند القرار من منظور الوطنية وضرورة تلبية نداء الوطن، ولكن يبقى حق اللاعب مقدساً في أن يقرر متى يلعب ومتى لا يلعب، مهما كانت العواقب.
ولن نختلف على أن القرار انفعالي وعصبي ومتسرع، وأنه وليد لحظة الإحباط الفظيع الذي استولى عليه، لا سيما وأنه أضاع الركلة الترجيحية الأولى لبلده في تلك المباراة المصيرية، ما يعني أن الإحباط كان معجوناً بآلام الشعور بالتقصير وبمرارة الإحساس بالذنب، ولهذا كله «قد» يعدل النجم الكبير عن هذا القرار الخطير عندما يهدأ ويعود لرشده ويراجع نفسه.
ويجوز لنا استخلاص بعض الدروس والعبر من تلك المأساة، فالمحصلة التي بين أيدينا يمكن الاعتبار منها بأن «ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، وأن النجومية لا تحقق لصاحبها كل شيء، وأن ما لم يتحقق من الأماني والأهداف يظل الأهم والأفضل لأنه العزيز الذي مازال مستحيلاً.. وأن لحظة الانكسار أقسى في تأثيرها على المرء من أعلى لحظات الفرح بأي إنجاز.
أما الدروس الباقية فمنها: ألا يتم الإقدام على قرار مصيري في لحظة انفعال مهما كانت الأسباب، وإدراك أن الخسائر والمحن هي أكبر معلم للإنسان بشرط استيعاب ظرفها واجتياز كبوتها، وأخيراً أن الحياة يجب أن تستمر، ولا بد من تجديد الأمل والسعي لتحقيق ما لم يتحقق، مع ميسي وسواه، في ملاعب الكرة وخارجها. -
نقلاً عن صحيفة الخليج الاماراتية
قد يعجبك أيضاً

.png?quality=60&auto=webp&format=pjpg&width=317)

