إعلان
إعلان
main-background

لماذا يستمرون؟

احمد كريم
24 فبراير 201623:53
ahmad-kraiem

لم تعد الصورة قاتمة مع تبقي ساعات قليلة على موعد انتخابات الاتحاد الدولي لكرة القدم الجمعة.

تبدو ملامح المنافسة واضحة في سباق التربع على "الكرسي الفارغ" في زيوريخ بعدما أجبر العجوز السويسري جوزيف بلاتر (79 عاما) على مغادرته العام الماضي إثر عاصفة فساد ضربت أركان المنظمة الدولية، وأودعت عدداً من المسؤولين الكبار خلف القضبان الحديدية.

وراء هذه الفوضى التي خلفتها عاصفة الفساد تظهر صورة رئيس الاتحاد الآسيوي الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة وأمين عام الاتحاد الأوروبي جياني إنفانتينو واضحة كمرشحين بارزين من القائمة الخماسية التي تضم الأمير الأردني علي بن الحسين، والفرنسي جيروم شامبين، وأخيراً الجنوب إفريقي طوكيو سيكسويل.

وبعيداً عن السؤال النمطي حول المرشح الأبرز سواء كان الشيخ سلمان أو إنفانتينو أو مدى صحة الأرقام التي نستقيها من إجراء عملية حسابية بسيطة ليس أكثر لن ننشغل بكل ذلك ولن يكون هدفنا معرفة الشخص الذي سينهي حقبة 18 عاماً التي قضاها بلاتر في رئاسة الفيفا، وإنما سنحاول التفكير خارج الصندوق؛ للإجابة عن سؤال آخر، وهو سبب استمرار ترشح الثلاثة الأقل حظوظا في القائمة رغم ظهور صورة واضحة لقطبي المنافسة.

بالفعل، لماذا يستمرون ولا ينسحبون، سؤال يطفق إلى الذهن فور معرفة "الشكل المبدئي" لما هو حاصل على المشهد الانتخابي، لكن الإجابة ربما تبدو صادمة، فهناك بالفعل أسباب حقيقية تدفع كل مرشح للاستمرار حتى وإن كانت حظوظه ضعيفة، فالاستمرار أصبح هدفا بحد ذاته، وقد تتحقق من ورائه مكاسب أخرى غير الرئاسة، والتي يعلم بعض المرشحين استحالة بلوغها في ظل فارق الإمكانات مع المنافسين الأقوياء، الإمكانات بشكل شمولي ابتداء بالكفاءة والكاريزما، مرورا بالتحالفات والنفوذ وانتهاء بالتمويل والمال الكافي لتحمل نفقات الحملة الانتخابية التي تقتضي السفر حول العالم في رحلات مكوكية؛ لإقناع الاتحادات الوطنية في جميع القارات، فضلا عن عقد الاجتماعات "التكتيكية" مع الشخصيات المؤثرة وصاحبة النفوذ في عالم كرة القدم.

على سبيل المثال، يتمتع سيكسويل بفائض مالي يكفي لقيامه بكل متطلبات تمويل حملته؛ لأنه رجل أعمال ومليونير، وفي الوقت ذاته هو رفيق نيلسون مانديلا الذي قضى ردحاً من الزمن معه داخل زنزانة النضال السياسي، لكنه رغم ذلك لم يحصل على قبول إفريقيا أو حتى أعضاء آخرين في كونفدرالية الفيفا البالغ عددها 209، إلى درجة أن اتحاد الكرة في بلاده عبر عن قلقه من ضعف حملته الانتخابية ووصفها بـ "السرية" في إشارة "منمقة" تصف غيابه عن المشهد، لكن الرجل مستمر في ترشحه.

المثال الثاني هو الأمير علي بن الحسين، والذي يملك المال الكافي لتمويل حملته، فهو شقيق ملك الأردن، ولديه الكاريزما على اعتباره أنه كان نائباً لرئيس الاتحاد الدولي قبل تعديل قانون التمثيل الذي يجعل الرئيس القاري نائباً للرئيس بشكل مباشر، ويملك أيضا فكرة عن طبيعة الانتخابات؛ كونه دخل طرفا منافسا لبلاتر في الانتخابات الماضية ووصل الجولة الثانية بعد حصوله على 73 صوتا مقابل 133 لبلاتر قبل أن يقرر الانسحاب، رغم ذلك لم تعلن اتحادات قارية أو تكتلات ذات وزن دعمها لترشح الأمير علي حتى الآن، ما يجعله في موقف ضعيف قياساً بالشيخ سلمان وإنفانتينو اللذان يحظيان بدعم اتحادات قارية، ورغم ذلك هو مستمر في ترشحه.

أما المثال الثالث والأسوأ هو الفرنسي جيروم شامبين، فهو لا يملك المال الكافي لتمويل حملته الانتخابية، ولا يتمتع بدعم أو قبول في القارة العجوز على أقل تقدير، بدليل أنه فشل في الحصول على دعم بلده، وحدثت بينه وبين رئيس اتحاد الكرة الفرنسي نويل لوغريت مشاهدة في مكان عام لهذا السبب، برغم أن شامبين يملك الخبرة الإدارية؛ لأنه كان يعمل أميناً عاماً في الفيفا، ولكن خبرته من الصعب أن تفيده بشيء؛ لأنه أجبر على الاستقالة بسبب تورطه في شبه بيع تذاكر بشكل غير قانوني، ما يجعل عودته لأروقة الفيفا شبه مستحيلة في ظل أزمة الفساد الحالية، ورغم ذلك هو مستمر في ترشحه.

في واقع الأمر، تبدو أسباب استمرار هؤلاء المرشحين منطقية إذا افترضنا جدلاً أن أحداً منهم يرى الواقع بصورة عملية خالية من النزعة الخيالية التي تجمل القبيح، ولنبدأ بالحديث عن سيكسويل، والذي ربما يعتبر ترشحه قضية نضالية بالدرجة الأولى، وبسبب تمسكه بهذه العقلية، فإنه يرى مجرد ثباته على الاستمرار في الترشح يضاهي الثبات المبدأ وتسجيل الموقف مهما كانت النتائج سيئة.

الأمير علي، يخوض الانتخابات وهو يتطلع إلى الرئاسة، أي أن هدفه الرئيس هو الفوز بهذا المنصب، ورغم معرفته بعدم قوة تحالفاته كما هو واضحة للجميع، يصر على الاستمرار وكأنه ينتظر دعماً ما في أي لحظة، ولأنه أيضا يرى عدم وجود أحقية لدى المنافسين الآخرين للترشح من الأساس، على اعتبار أنه الوحيد بينهم الذي أعلن الحرب على بلاتر وخاض ضده معركة الولاية الخامسة، ولكنه خسر بشرف.

أما شامبين، فيبدو إن أحلام العودة إلى أروقة الفيفا بعد خروجه الإجباري في العام 2011 تدغدغ مشاعره بين الحين والآخر، إلى أن دفعه حنين الفراق في نهاية المطاف إلى خوض هذه المغامرة مستشعراً أن ثمة أبوابا ربماً تفتح أمامه جراء اتفاقات وتحالفات تنتجها اللحظات الأخيرة، بحيث يمكن أن تتسبب في دخوله الفيفا من بوابة غير الرئاسة البعيدة كلياً عن تصوراته.

وبعيداً عن مدى دقة المقاربة التي يشملها هذا التحليل، فإن الأكيد هو أن استمرار المرشحين أصحاب الحظوظ الضعيفة أصبح هدفاً في حد ذاته، وهو يعطي لهم وزناً ربما يستثمرونه في تحقيق غايات غير معلنة، ومهما اختلفت هذه الغايات، فإنها ستتضح حتماً بعد نفض غبار المعركة عن كرسي الرئاسة.

إعلان
إعلان
إعلان
إعلان