إعلان
إعلان
main-background

لماذا خسر الشيخ سلمان؟

احمد كريم
08 مارس 201606:11
ahmad-kraiem


بعد مضي 10 أيام على الانتخابات، دعونا نحاول الإجابة على السؤال العالق في الأذهان منذ 26 فبراير الماضي لغاية الآن. 

لنفكك الأحداث التي حصلت في الساعات الأخيرة لنعرف الأسباب الحقيقية لخسارة الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة انتخابات رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم، برغم أنه يتصدر الترشيحات في القائمة الخماسية التي تضم "الرجل الفائز" السويسري جياني إنفانتينو، والأمير الأردني علي بن الحسين، والفرنسي جيروم شامبين والجنوب إفريقي طوكيو سيكسويل الذي انسحب قبل الاقتراع.

في البداية، لنحسم الأمور ونتفق أن الشيخ سلمان أبرز المرشحين بالفعل، فقد اتضح ذلك في العديد من التجليات، أبرزها حصوله على تأييد من آسيا وإفريقيا بشكل لا يقبل النقاش، فضلاً عن العمل الشاق الذي قام به في الأشهر الخمسة الماضية التي تلت إعلان ترشحه الرسمي وحتى يوم الانتخابات.

هذا العمل المضني شمل زيارات مكوكية واجتماعات مطولة في مختلف قارات العالم، مما أوجد حالة من التوافقات الإيجابية حوله، وقد انعكس ذلك على التقارير الصادرة من مكاتب المراهنات التي تعتبر واحدة من المؤشرات القوية لقياس الحظوظ وفرص الفوز على المستوى الرياضي وغيره، وأخيرًا وليس آخرًا دور وتأثير حليفه الشيخ أحمد الفهد الذي يصفه البعض بأنه "مهندس الانتخابات".

كل الأمور مجتمعة خلقت حالة مبشرة بفوز رئيس الاتحاد الآسيوي في الانتخابات، وأصبح الوصف الذي يسبق اسمه هو “المرشح الأبرز لرئاسة الفيفا”، غير أن الأمور لم تنته بالطريقة المتوقعة، ذلك أن هناك من كان يعمل أيضًا على تنفيذ سيناريوهات أخرى لا تقل إثارة عن أفلام هوليود الأميركية!

لو لم يكن واضحًا للعيان أن الشيخ سلمان بن إبراهيم كان قريبًا جدًّا من التربّع على عرش المنظمة العالمية الكبرى التي تتخذ من مدينة زيوريخ السويسرية مقرًّا لها لما تدوُّل اسمه بهذا الزخم الكبير على مستوى الإعلام في مختلف دول العالم.

كان الشيخ سلمان أكثر المرشحين الذين تحدثت عنهم وسائل الإعلام، ورغم أن الوقائع تفيد بأن بعض التقارير تتحدث بسلبية عنه، إلا أنها وفي نهاية المطاف تتداول حالة ينشغل العالم بالحديث عنها وإن تمثل في وجهة نظر مختلفة. 

وفي خضم ذلك، كشفت صحيفة سويسرية أن ثمة مؤامرة أميركية للإطاحة بالشيخ سلمان وتشويه سمعته، وذلك عبر مكتب علاقات عامة مقره الرئيسي في أستراليا، فكان هذا أحد الدلائل الواضحة على وجود تيار يحارب الشيخ سلمان بعدما شعر بقرب نجاحه.

لم يكترث رئيس الاتحاد الآسيوي بهذه المؤامرة وغيرها، وبقي منشغلاً في حملته الانتخابية، من خلال طرح الأفكار والبرامج التي سيعمل على تطبيقها في حالة فوزه، دون أن يتحدث بسلبية عن منافسيه وخصومه رغم تعرضه للإساءة في بعض الأحيان.

لكن قبل يوم واحد على موعد الانتخابات لم يتحمل "العقل" الأميركي ما يجري، وتحرك بشكل هستيري ليلة الانتخابات من خلال الإعلان عن ترشيحه للأمير علي بن الحسين، وفي "اليوم الموعود" انكشف كل شيء وتجلى التيار المناهض للشيخ سلمان الذي تقوده أميركا والذي عمل على سحب الأصوات من معسكره وتحويلها إلى مسار آخر، عبر تسويق شائعة مفادها أن “الإف بي أي” ستقبض على الشيخ سلمان.

هذه الشائعة قيلت لبعض رؤساء الاتحادات الوطنية الحاضرين في زيوريخ للتصويت، وتبادرت إلى أذهان أفراد في حملة الشيخ سلمان، لكن “الشائعة” لم تقابل بردّة فعل قوية كونها لا تعدو عن كونها نكتة سمجة أطلقها الأميركان لخلط الأوراق وبعثرة الأصوات.

برغم ذلك، سعى الأميركان لعقد صفقة مع "الرجل الفائز"، وقد تحدثت عنها الصحافة العالمية مطوّلاً بعد الانتخابات وظهرت معلومات تشير إلى مشروعين، الأول يتمثل في إعطاء أميركا حق استضافة مونديال 2026 لتعويضها عن خسارتها أمام قطر في 2022 والذي أثار جنونها، والآخر يتجسّد في تبني الفيفا لمسابقة على شاكلة دوري أبطال أوروبا، ولكن على نطاق عالمي تشارك فيها الأندية الأميركية إلى جانب الأوروبية وغيرها من الأندية المعروفة في مختلف أنحاء المعمورة.

وحسب ما طرح في الصحف فإن الولايات المتحدة تعوّل على هذه المسابقة في توسيع رقعة الاستثمار الرياضي من بوابة كرة القدم التي بدأت تحظى بقبول وسط المجتمع الأميركي المنغلق في السابق على كرة السلة والبيسبول والكريكيت. 

المخطط الأميركي يرى أنه من الضروري جلب كرة القدم إلى بلاد العم سام، وصناعتها وفق المواصفات الأميركية للاستفادة منها كنوع من أنواع الهيمنة والسيطرة على شريحة عظمى من البشر، غير أن ذلك لا يمكن أن يحدث دون الاستحواذ على شعبية الأندية والمنتخبات القوية.

هذا المخطط لا يبدو حديثًا على أية حال، فقد بدأت في تطبيقه أميركا عام 1993 كجزء من مساعيها لاستضافة مونديال 1994، وكانت الخطوة الأولى إطلاق دوري كرة القدم للمحترفين، غير أن الموسم الأول انطلق في العام 1996 بمشاركة 10 فرق، ليصبح بعد سنوات على شكله الحالي يضم 18 فريقًا بنظام الذهاب والإياب، ويتأهل ثلاثة أندية مباشرة لدوري أبطال الكونكاكاف.

إلا أن دوري أبطال الكونكاكاف ليس كافيًا بالنسبة للأميركي، الذي يبحث دائمًا عن الاستحواذ والسيطرة على المفاصل الرئيسة. ويمكننا الآن تفسير التجربة غير المسبوقة التي ستخوضها مسابقة كوبا أميركا على الأراضي الأميركية وبمشاركة 16 منتخبًا من أميركا الجنوبية والشمالية، حيث قيل بأن هذا التغيير يأتي احتفالاً بمرور 100 عام على انطلاق البطولة.

بطبيعة الحال، يتبادر إلى الأذهان سؤال حول السبب الرئيسي في عداء الولايات المتحدة للشيخ سلمان بن إبراهيم طالما أنه من المحتمل أن يقبل صفقة تخدم مخططاتهم، تمامًا كما هو حال الأمير علي بن الحسين الذي أصبح حليفهم وأعطوه صوتهم وحشّدوا له ما استطاعوا، أما الإجابة فهي بسيطة ولا تحتاج عناءً، فبالإضافة إلى أن العقل الأميركي والغربي ليس متقبلاً فكرة الرئيس العربي المسلم حتى الآن، فإن الشيخ سلمان أيضًا ليس مؤيدًا للخطوات الأميركية التي تستهدف الاستحواذ على الفيفا أو تحطيمه.

وظهر التحرك الأميركي نحو الفيفا بقوة في انتخابات 2015 التي فاز فيها بلاتر بالولاية الخامسة أمام الأمير علي، ولكن الأول أجبر على الاستقالة بعد سلسلة فضائح واعتقالات أصدرتها وزارة العدل الأميركية في حق مسؤولين كبار في الاتحاد الدولي.

أما دعم الأميركان للأمير علي فهو ليس استثنائيًّا على ما يبدو، لأنه كان مشهدًا من مشاهد الفيلم فقط، ذلك أن الحدث الدراماتيكي في الانتخابات الاخيرة حصل بعد الجولة الأولى التي جمع فيها إنفانتينو 88 صوتًا، الشيخ سلمان 85 صوتًا، الأمير علي 27 صوتًا، شامبين 6 أصوات.

وبعد إعلان نتائج الجولة الأولى، اجتمع رئيس الاتحاد الأميركي سونيل جولاتي مع إنفانتينو الذي كان يحتاج إلى 16 صوتًا لحسم الانتخابات لصالحه، فيما كان يحتاج الشيخ سلمان إلى 19 صوتًا، أما الأمير علي فقد كان يحتاج إلى 77 صوتًا، والمفارقة أن تنتقل أصوات 27 اتحادًا لإنفانتينو في الجولة الثانية ليحسم الانتخابات برصيد 115 صوتًا، والشيخ سلمان 88 صوتًا، والأمير علي 4 أصوات وشامبين دون أصوات، فهل فعلها الأميركان فعلا؟.

يمكن معرفة ذلك بوضوح، من الاحتفالية التي أقامها جولاتي بعد إعلان النتيجة، فقد وصف الحاضرون في القاعة ذلك المشهد بأنه يعبّر عن فوز رئيس اتحاد الكرة الأميركي وليس أمين عام الاتحاد الأوروبي.

إعلان
إعلان
إعلان
إعلان