المتتبع لكل الانتقادات التي يتعرض لها الناخب الوطني والمنتخب الجزائري لكرة القدم قبل أيام عن موعد المونديال ومنذ فترة ليست بالقصيرة يصاب بالصدمة من هول ما يسمع ويقرأ من تعاليق وتحاليل وأحكام قاسية وجاحدة تتنكر للجهود المبذولة وتنسى بأننا تأهلنا إلى المونديال ونحن نحتل المركز الأول عربيا وافريقيا في تصنيف الفيفا، وقد صارت بحوزتنا خيارات كثيرة فنية وتكتيكية لا تملكها منتخبات أخرى بجيل جديد من اللاعبين الشبان لا يلقون التشجيع سوى من جماهير وفية وعاشقة ومتفهمة أكثر من كل الفلاسفة الذين لم تعد لديهم سوى وظيفة واحدة هي التركيز على النقائص لتكسير المنتخب والسكوت بالمقابل عن كل المهازل التي تحدث في الرياضة الجزائرية عموما وفي مختلف المجالات..
صحيح أن منتخبنا لايزال يبحث عن التشكيلة الأساسية والطريقة المثلى للعب، وصحيح أن الكرة مثيرة للجدل والاختلاف والانتقاد، وإبداء الرأي بشأنها ظاهرة صحية في كل مجتمع، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمنتخب، لكن حبذا لو يتجاوز هذا الجدل والنقاش حدود لعبة كرة القدم ويشمل كل أنواع الرياضات ومناحي الحياة الأخرى، ليبدي المختصون والمحللون والإعلاميون آراءهم ويصرون عليها في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تشهد تراجعا وتخلفا لا مثيل لهما.
الحياة السياسية تعاني كل أنواع النفاق والمكر والكذب، ولكن أغلب الناس يسكتهم الخوف من تضييع المكاسب ويغريهم الطمع في المناصب فيلتزمون الصمت حيال وضع سياسي بلغ قمة الرداءة! واقتصادنا يتراجع في الكثير من القطاعات وتتزايد معه صور النهب والرشوة ولا أحد يتجرأ لينتقد ويندد ويفضح المغامرين! أما يومياتنا فإنها تزداد تعقيدا بسبب تراجع القيم والأخلاق والمبادئ، ولكن الكل يتفرج ويتهرب من مسؤولياته السياسية والاجتماعية والأخلاقية!!
أما عندما يتعلق الأمر بمنتخب كرة القدم، فإن الناس جميعا يصبحون محللين وفنيين ومدربين يفهمون في الخطط والخيارات وينتقدون اختيار قائمة 23 لاعبا، ونوعية المنتخبات التي نواجهها وديا، وكذا حجم التدريبات والتحضيرات التي يفرضها الناخب الوطني، وينتقدون أداء المدافعين والمهاجمين بكل قسوة ودون أدنى احترام وأدب للمدرب ولظروف اللاعبين الذين يستحقون كل التشجيع.
يحدث كل هذا في زمن تصدرت فيه الجزائر العرب وإفريقيا لأول مرة في التاريخ، ودخلت ضمن قائمة العشرين الأوائل في تصنيف الفيفا لشهر جوان بعد الفوز بثلاث مباريات ودية متتالية أمام سلوفينيا وأرمينيا ورومانيا، ويحدث كل هذا بعد ما أصبحنا نفوز بالثلاثة وبلاعبين يخطون خطواتهم الأولى مع المنتخب، وبعد ما صار المنتخب يملك تشكيلة ثرية بخيارات فنية وتكتيكية متعددة لا تملكها منتخبات أخرى عريقة.
يحدث هذا أيضا في وقت يتحسن فيه أداء المنتخب الجزائري من مباراة لأخرى، وتزداد معه طموحات الجزائريين في مشاركة محترمة في المونديال المقبل، وطموحاتهم في رؤية منتخب بلادهم يتألق في نهائيات كأس أمم افريقيا في المغرب سنة 2015 ولسنوات أخرى بفضل جيل متميز بإمكانه الاستمرار في المستوى العالي لعشر سنوات أخرى مهما كان اسم المدرب الذي سيخلف البوسني الذي يبدو أنه سيبقى عقدة تلازم الكثيرين بسبب خياراته الجريئة والشجاعة التي أنستنا كل المهازل التي كانت تحدث سابقا.