
الزمان: صيف عام 2001
المكان: مطار القاهرة
عودة بعثة منتخب مصر إلى مطار القاهرة بعد إحرازه الميدالية البرونزية في بطولة كأس العالم للشباب.. ذلك الإنجاز الفريد الذي يعد الأبرز على الإطلاق في تاريخ كرة القدم المصرية، لذا كان الاستقبال حافلًا من المسؤولين والجماهير.
رغم تألق كافة اللاعبين، إلا أن هناك نجمًا كان بارزًا بصورة لا يمكن تجاوزها، فكان استقبال "محمد اليماني" مختلفًا عن الباقين، لما لا وهو النجم الأول وهداف شباب الفراعنة في المونديال بـ4 أهداف.
مهارات اليماني الاستثنائية وهدوء أعصابه في المراوغات، فضلًا عن حسه التهديفي العالي، جعلت مسؤولي يوفنتوس يسابقون الزمن للظفر بالموهبة الشابة قبل الجميع.
مهاجم ستاندارد لييج البلجيكي، الشهير هناك بـ"مومو"، كان الهدف الرئيسي لنادي السيدة العجوز في الميركاتو، فما قدمه في مونديال الشباب لا يخفى على أحد، لذا كان الظفر بتوقيعه أولوية داخل أروقة النادي.
وفد إيطالي يصل إلى القاهرة للاجتماع باليماني وممثليه.. اتفاق أبرم في لمح البصر بين الطرفين، و12 مليون دولار في الطريق لخزائن ستاندارد لييج من أجل إطلاق سراح "مومو"، للتحليق في سماء جنة كرة القدم.
وبينما كانت الصفقة على مشارف الحسم، واليماني يودع أسرته وأصدقائه في الإسماعيلية، ليمضي في طريقه صوب المطار من أجل السفر إلى بلجيكا، لوضع اللمسات الأخيرة على صفقة انتقاله لليوفي.
لطالما كان لـ"مومو" هواية لا يقدر على التوقف عنها، ألا وهي السرعة الجنونية عند قيادة السيارة.. لكن هذه الهواية اللعينة كانت الشرارة الأولى لنهاية حلم في مهده.
فجأة انقلبت السيارة على الطريق.. جسد "مومو" يتأرجح بداخلها والضربات تأتيه من كل مكان، لكن عقله كان قد ولّى وجسده ظل ينتفض من شدة الصدمات.
نُقل اليماني بأحلامه إلى المستشفى وتعرض لنزيف في المخ بدأ يهدد حياة الفتى صاحب الـ19 عامًا.. لكن مرت الساعات واستفاق "مومو" وجاءت الطامة الكبرى.
"للأسف لقد أصيب بفقدان الذاكرة!!".. كلمات الطبيب جاءت كالصفعة التي ضربت كافة الوجوه المترقبة.
لم يكن اليماني حينها حيًا في عالمنا.. بل ذهب "مومو" الأصلي بروحه وعقله إلى السماء، وبقى لنا جسد يشبهه.. الملامح ذاتها لكنها لشاب لم يكن يعرف تلك الوجوه التي تنظر إليه، وكأنه مولود جديد بدأ في التعرف على الحياة بمعالمها الجديدة.
حلم يوفنتوس تأجل.. لكن "مومو" لم يكن يدرك ولا يتذكر لا "يوفي" ولا غيره.. حتى أنه لا يتذكر نفسه.. وبعدما بدأ في استعادة توازنه، صُدم بالزحف الجماهيري نحوه في صالة المطار.. فالجميع يحتفي به ويريد التقاط الصور التذكارية معه، بينما هو لا يُدرك ما يحدث ولا يعلم لما جاء هؤلاء لمصافحته بتلك الوجوه الباسمة.
والد اليماني وأسرته بدأوا في تعريفه بشخصه وأمجاده في مونديال الأرجنتين، وعقل "مومو" بدأ في استيعاب بعض الأشياء، لكنه لم يكن يدرك كل شيء حتى بدأ مرحلة التعافي وعاد إلى تدريبات فريقه البلجيكي بعد بضعة أشهر.
"الجسد الذي كان يُلبي إشارات العقل في لمح البصر لم يعد كما كان".. هنا أدرك "مومو" أنه تُرك هناك على قارعة الطريق بجوار سيارته، وما حُمل إلى المستشفى كان جسده فقط.
بريق الفرعون الصغير بدأ في الخفوت.. وعقله لم يعد قادرًا على إملاء أوامره للجسد الذي طالما كان مُطيعًا له.. هنا تأكد "مومو" أنه لم يعد كما كان، وكلما استعاد شيئًا من الماضي، يزداد إدراكه أن ما مضى لن يعود أبدًا.
وكلما مرت السنوات والنجم اللامع يزداد انطفائه، ليتأكد اليماني أن النهاية كانت هناك، حيث تبخر حلمه وذاكرته على قارعة الطريق.
قد يعجبك أيضاً



