يُقال: "اصنع شيئاً في حياتك يجعل ذكرَكَ حاضراً حتى بعد موتك." ولعلَّ جوزيب هودسون صانع الآلات، الرجل البريطاني البسيط الذي ظل مبصراً لنور الحياة منذ عام 1848 وحتى 1930 أراد لنفسه أن تكون واحدةً من مطبقي هذا القول الشهير.
بدأت قصة هودسون مع التاريخ في 1860 حين قرر هذا الرجل تحويل منزله الذي كان كحمام السوق في شارع سانت ماركس في مدينة برمنجهام الإنجليزية إلى مصنع صغير مارس فيه هوايته الخاصة وهي تصنيع الآلات رفقة شقيقه الأصغر جيمس هودسون.
وبعد أعوام من العمل في صنع الآلات، كان عام 1884 شاهداً على أبرز ما صنعته يدا جوزيب هودسون وهو "الصافرة" المستخدمة حالياً، سواء من قِبل شرطة المرور أو الحكام في ملاعب كرة القدم، في الحدائق والشواطئ وفي جميع أنحاء العالم.
ولكن هذه الصافرة التي عرفت في الزمن القديم باسم أكيم وهي كلمة يونانية الأصل تعني النقطة العليا إشارةً إلى أن هذه الأداة المصممة ستكون النقطة العليا فعلاً في حسم الأمور سواء أكان ذلك للمباريات أو لشرطي المرور أو للأمور الأخرى المُستخدمة فيها.
ومرت صافرة أكيم عبر السنوات بتغييرات عديدة نوردها فيما يلي:
1860 - 1880: هودسون صانع الآلات البسيط يحول الحمام المتواضع في شارع سانت ماركس في برمنجهام إلى مصنع صغير يستأجره مقابل شلن واحد وستة بنسات في الأسبوع ليعمل على تصميم صافرة.
1878: شهد ذلك العام أول مباراة رسمية تستخدم فيها صافرة "أكيم" وكانت في الدور الثاني من كأس الرابطة الإنجليزية بين نوتنغهام فورست (2) و شيفيلد (0).
1883: هودسون يعطي النبأ السار لشرطة مدينة لندن بصناعته لصفارة خاصة تطلق صوتاً مميزاً لشرطة المرور ناتج عن الاندماج مع اهتزازات الهواء لتستخدم هذه الصافرة عبر شرطيي المرور في شوارع لندن بدلاً من أداة الخشخشة التي كان يمسكها الشرطي بيده لتنبيه السيارات في الطريق وبهذا باتت يد الشرطي حرة وبإمكانه فقط استخدام فمه للنفخ في الصافرة التي أعلنتها شرطة لندن كصافرة رسمية لها تُسمع من بعد ميل.
1884: بدعم من ابنه، جوزيب هودسون يُواصل مسيرته في الثورة التقنية مع الصافرة ليخترع الصافرة بشكلها الجديد وهي بحجم حبة البازلاء لتعطي مستخدميها القدرة الكاملة على التحكم بها.
1906: شهد ذلك العام محاولات من مصنع هودسون وشركاءه لصنع أول صافرة من مادة تُعرف باسم المطاط الصلب بيد أنَّ تلك المحاولات باءت بالفشل.
1914: مع تطور مادة الباكيليت، أنتجت الشركة أول صافرة مصنوعة من مادة البلاستيك.
1920: لتحسين نوعية صافرة أكيم، تم تصنيع صافرة من نوع خاص بدت عليها علامات التطوير حيث كانت أصغر حجماً وذات لسان مدبب يُعطي للحكام راحة أكبر في استخدامها، هذا النموذج من الصافرة سمي باسم 60.5 وقد استخدم في 1923 وتحديداً في 28 أبريل في أول مباراة نهائية لكأس إنجلترا على ويمبلي الملعب الشهير وجمعت حينها بولتون واندررز (2) مع وست هام يونايتد ( 0)، وهذا النوع من الصافرة لا يزال موجوداً حتى الآن.
1930: صافرة أكيم تطور أكثر لتكون أكبر قطراً ومصممة لإعطاء صوت أكبر حيث يمكن استخدامها في الأماكن المزدحمة، ولهذا استخدمت الصافرة في ذلك العام في دوري المحترفين.
1988: صافرة تورنادو 2000 والتي كان هودسون قد بدأ بتصميمها تبصر النور في أهم المسابقات العالمية والأوروبية من مثل كأس العالم، ودوري أبطال أوروبا إضافة لكأس الاتحاد الإنجليزي، وهي الصافرة ذات الصوت الأقوى منذ بداية ثورة التصميم على صافرة أكيم.
1989: ربما كان ذلك العام شاهداً في الواقع على أحدث ما توصلت إليه ثورة التصنيع في صافرة أكيم تورنادو، الصافرة التي كانت الأصغر حجماً بين جميع التصاميم إضافةً لكونها الأقوى في الصوت.
2004: باتت هناك الكثير من الشركات المصنعة للصافرات في حقيقة الأمر، وفي الوقت ذاته لا زالت شركة هودسون تقوم بتصنيع وتطوير تصاميمها، حيث أدخلت عدة نماذج منها تورنادو 622 التي تأخذ الشكل المربعي عند مدخل اللسان وهي كبيرة الحجم نوعاً ما إضافةً لكون الصوت الخارج منها يبدو عميقاً، تورنادو 635 التي تبدو ذات صوت قوي جداً إضافةً لشكلها المصمم والفريد من نوعه وهي التي تُخرج 3 أصوات مختلفة حسب طريقة الاستخدام.
كيف تعمل الصافرة؟

تُصمم الصافرة على أساس تقسيمها لأربع أجزاء كما يظهر في الصورة أعلاه ^ .. وكما هو موضح في الشكل فإنَّ الهواء يدخل عبر المدخل (1) وهو مكان اللسان ليسير في مجرى خاص على طيلة الصافرة حتى يصطدم بالشطبة (2) وهي الجزئية التي سيُقسم فيها الهواء لقسمين. جزء قليل سيخرج عبر الفوهة 2 وجزء أكبر سيكمل مسيره في الصافرة ليتجمع في الحجرة الهوائية (3) وحينها يصبح ضغط الهواء في الحجرة الهوائية كبييراً جداً، مما يؤدي إلى خروج الهواء من ثقب الصوت لتكون حجرة الهواء شبه فارغة من الهواء على الاستعداد للبدء من جديد في عملية التصفير ولكن قبل هذا يكون لحبة البسلة (4) جزء كبير في العملية حيث أنَّها تتحكم في معدل تعبئة وتفريغ حجرة الهواء وتمنع تدفق الهواء أيضاً حسب امتلاء حجرة الهواء وهذا يعطي الأصوات المختلفة للصافرة حسب التصميم.
التفريغ والتعبئة لحجرة الهواء يحدث 263 مرة تماماً في الثانية وقوة الصوت الصادر تعتمد على مدى سرعة التفريغ والتعبئة وهذا بدوره يعتمد على التصميم الخاص للصافرة.
سعر الصافرة:
تكلف صافرة التحكيم الدولية المعتمدة من الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" في منافسات كأس العالم ما يقارب 13 دولاراً، لكن صافرات البطولات الأخرى يمكن الحصول عليها مقابل 7 دولارات.
ويتم توزيع الصافرات على الحكام من قبل الاتحاد المنظم للبطولة، ويمنع الحكم من اختيار صافرة غير المقدمة من قبل الاتحاد.
"أداة الخشخشة التي كان يستخدمها رجال الأمن في الستينيات والسبعينيات"
"منزل جوزيب هودسون الذي حوله لمصنع صغير"
"جوزيب هودسون"
"الطاولة الخاصة التي كان يصمم عليها هودسون"
"مصنع هودسون وشركاؤه"
"صافرة أكيم"