إذا ما تحدث أحدهم عن الإستحواذ والسيطرة على خط وسط الملعب ، فأول من يتبادر إلى الذهن هو نادي برشلونة ، كيف لا وهذا النادي اعتاد منذ وجود بيب جوارديولا إلى الإستحواذ بالطول والعرض على ملعب المباراة حتى لو كان الخصم ريال مدريد وما يحتويه لقاء الفريقين من منافسية .
لكنَّ الكلاسيكو الأخير بين ريال مدريد وبرشلونة السبت الماضي والذي انتهى بنتيجة 3-1 لصالح الأول كان فيه شيئاً جديداً مختلفاً عن سابق اللقاءات ، هذا الشيء في الواقع لم يكن في برشلونة بل كان يتمثل في كتيبة ريال مدريد التي فرضت سيطرتها الفنية على الملعب لأول مرة منذ سنواتٍ عديدة .
كارلو أنشيلوتي المدرب الإيطالي للنادي الملكي قبل الكلاسيكو تحدث بإيجاز حول رغبته بأن يكون خط وسط فريقه قادراً على الإستحواذ والسيطرة على المعركة التي تُوصف بأم المعارك ولا شك أنَّ حديث عن صراع متوسط الميدان .
ومع تواجد لوكا مودريتش ، توني كروس ، إيسكو ، خيمس رودريجيز كان لأنشيلوتي فعلاً ما أراد وأظهر ريال مدريد سيطرته على وسط الملعب مُظهراً في الواقع تفوقاً على الأسلوب الذي كان ينتهجه سلفه جوزيه مورينيو .
الأخير كان قد اعتاد على اللعب أمام برشلونة بثلاثي في خط الوسط ، بعض الأوقات كان يعتمد على تواجد بيبي إضافةً للاس ديارا ، سامي خضيرة على سبيل المثال ، في الواقع مورينيو لم يفشل بهذا الأسلوب لكن ريال مدريد معه كان أقل قدرةً على فرض نفسه وهو الأمر الذي نجح به الإيطالي .
ولكن كيف تغيَّر ريال مدريد مع بعض الدلائل الرقمية في الكلاسيكو بين مورينيو وأنشيلوتي .. نظرة سريعة سنُقارن بها بين كلاسيكو الكامب نو في 2012 والذي حقق به مورينيو ورجاله الإنتصار بنتيجة 2-1 ، كلاسيكو الكأس في الموسم الماضي والذي انتصر به ريال أنشيلوتي على برشلونة بنتيجة 2-1 وأخيراً آخر كلاسيكو وهو الذي استضافه البيرنابيو عشية السبت المنقضي وانتهى بانتصار كتيبة أنشيلوتي بنتيجة 3-1 .
وبالعودة بالذاكرة لكلاسيكو مورينيو في الكامب نو 2-1 ، ريال مدريد استطاع أن ينتصر حينها لكنَّه في الواقع لم يكسب معركة السيطرة على مجريات المباراة فبرشلونة أنهى ذلك اللقاء بنسبة استحواذ وصلت لـ 72٪ مقابل 28% لكتيبة مورينيو .
الأمر لم يتوقف حينها عند نسبة الإستحواذ ، بل إنَّ لاعبي برشلونة صنعوا فارقاً كبيراً في عدد التمريرات ونسبة النجاح بها أيضاً ، لاعبو برشلونة حينها قاموا بـ 677 تمريرة نجحوا في 86٪ ، في المقابل لاعبو ريال مدريد قاموا بـ 256 تمريرة نجحوا في 62٪ وهي النسبة القليلة للغاية مقارنةً ببرشلونة الذي أكل الملعب حينها لكن دون فاعلية .
عجز مدريد في تلك المباراة عن فرض نفسه في اللقاء واعتماده على استغلال أقل الفرص كشفته في الحقيقة إحصائية أنَّ إيكر كاسياس حارس الفريق كان أكثر من لمس الكرة في تلك المباراة ! كاسياس مرر في تلك المباراة (35) أكثر حتى من مايسترو الفريق في تلك المباراة تشابي ألونسو الذي عجز عن أكثر من 33 تمريرة .
في حقيقة الأمر .. ريال مدريد انتصر حينها لكنَّه كان عاجزاً عن فرض نفسه ، هو استغل أدنى الفرص وهو الأمر الذي عجزت عنه كتيبة برشلونة ولا يمكن نسيان الكثير من الإنتقادات التي وُجهت لمورينيو آنذاك حيث تحدثت بعض الصحف الإسبانية والمدريدية منها بأنَّ ريال مدريد مع مورينيو لعب كالفرق الصغيرة في الكامب نو .
توالت الأيام ورحل جوزيه مورينيو عن ريال مدريد وأعلن الأخير عن انتداب الإيطالي كارلو أنشيلوتي الذي وعد بأن يقدم ريال مدريد هجومي مميز يُعطي الصورة عن الفريق الكبير وشيئاً فشيئاً أوفى الإيطالي بوعوده .
ففي إبريل الماضي ، والحدث نهائي كأس ملك إسبانيا التقى ريال أنشيلوتي ببرشلونة في لقاءٍ غاب عنه نجم ريال مدريد الأول كريستيانو رونالدو ليحل الإسباني الشاب إيسكو في مركزه ليكمل الأخير 91.7٪ من تمريراته ، مع لوكا مودريتش [89.7٪] وألونسو [86.8٪] ليظهر أنشيلوتي فاعلية متطورة لخط وسط الميرنغي ودقة التمرير .
فاز ريال مدريد في ذلك اللقاء 2-1 بهدفي كلٍ من انخيل دي ماريا و جاريث بيل ولكنَّ برشلونة حافظ جيداً على الشيء الذي لا يمكن أن يخسره ألا وهو الإستحواذ بنسبة 68٪ ومجموع التمريرات في تلك المباراة كان 677 لبرشلونة و 330 لريال مدريد ( أكثر بـ 74 تمريرة عن كلاسيكو مورينيو ) ورفع أنشيلوتي من مستوى نجاح لاعبيه بالتمرير والسيطرة في الملعب لما وصلت دقة تمريراته إلى 79٪ .
استمر تطور فريق أنشيلوتي في فترةٍ وجيزة ورغم أنَّ ريال مدريد تخلَّى عن دي ماريا و تشابي ألونسو وتعرض نجمه جاريث بيل لإصابة قبل أيام من الكلاسيكو الأخير إلَّا أنَّ أنشيلوتي أثبت للعالم مدى قدرته على صناعة فريق قوي من أي خيارات يمتلكها .
دعم هذا التطور الملحوظ لفريق ريال مدريد بالكلاسيكوإحصائيات اللقاء التي أظهرت أنَّ 7 من لاعبي الفريق وصلت دقة تمريراتهم في المباراة لأكثر من 87٪ ما يعني أنَّ الخيارات كانت متاحة لهم بحرية في الملعب وهذا بلا شك نتيجة التحركات والسيطرة التي فرضها الفريق في الملعب .
وبتفصيل أكبر .. نجد أنَّ لوكا مودريتش قام بـ 42 تمريرة بنسبة نجاح 100% ، بالمقابل توني كروس قام بـ 60 بمعدل نجاح 92٪ ، وإيسكو بنسبة نجاح 87.9٪ من تمريراته الـ 33 طيلة زمن المباراة .
ولا تقتصر التغييرات التي أحدثها أنشيلوتي على الفريق من ناحية خط الوسط ، ففي 2012 في الكامب نو بيبي اضطر لتمرير 6 تمريرات طويلة من تمريراته الـ 13 في المباراة وذلك لعجزه عن إيجاد الخيارات الكافية للقيام بالتمريرات القصيرة ، نسبة تمريرات مخزية إن صحَّ التعبير كانت لبيبي في تلك المباراة وهي 38.5٪ .
يوم السبت بيبي وجد نفسه بيبي مختلف تماماً ، البرتغالي استطاع تمرير 26 تمريرة قصيرة من أصل 32 تمريرة قام بها وهو الأمر الذي يكشف تماماً عن مدى الخيارات الأكبر التي كانت أمامه وقبل ذلك هذا كشف أنَّ أنشيلوتي يطلب من لاعبيه في الخط الخلفي عدم الإعتماد على الكرات الطويلة لمنح الخصم فرصة الإستحواذ بل الإعتماد على الكرات القصيرة وبناء الهجمة من نقطة الصفر .
خلاصة الحديث .. تأرجح مستوى ريال مدريد بشكلٍ تصاعدي منذ رحيل جوزيه مورينيو ، نحن جميعاً نعلم أنَّ ريال مدريد كان فعلاً ينتصر على برشلونة حتى قبل أنشيلوتي لكن ولكن مباراة السبت أظهرت الجانب الذي يحتاج الجميع لمعرفته عن مدى التطوير في السيطرة وفرض النفس أمام الخصم الذي يُعتبر أستاذ هذا المجال .