إعلان
إعلان

أمم رياضية

حسن أبوحسن
20 يونيو 202102:27
90

هل‭ ‬يتصور‭ ‬أحد‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬الرياضة‭ ‬في‭ ‬مضامينها‭ ‬الإنسانية‭ ‬النبيلة‭ ‬الراقية‭ ‬وفي‭ ‬مفهومها‭ ‬الروحي‭ ‬العام‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬مجرد‭ ‬الإقدام‭ ‬بشوق‭ ‬وحماس‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬أدوات‭ ‬رياضية‭ ‬جامدة‭ ‬أو‭ ‬هي‭ ‬فقط‭ ‬مداعبة‭ ‬كرات‭ ‬بأحجام‭ ‬وأوزان‭ ‬وألوان‭ ‬مختلفة،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬مجرد‭ ‬ممارسة‭ ‬لواحدة‭ ‬من‭ ‬الألعاب‭ ‬العديدة‭ ‬المتاحة‭ ‬للجميع‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬لعبة‭ ‬جماعية‭ ‬أو‭ ‬فردية‭ ‬وبالتالي‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬عوائدها‭ ‬الصحية‭ ‬والبدنية‭ ‬والذهنية‭ ‬كما‭ ‬ونوعا‭.‬

وللإجابة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التساؤل‭ ‬نؤكد‭ ‬أن‭ ‬الرياضة‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬العام‭ ‬وفي‭ ‬مضمونها‭ ‬الإنساني‭ ‬الفسيح‭ ‬هي‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬الممارسة‭ ‬الجسدية‭ ‬والعضلية،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مقامها‭ ‬ومكانتها‭ ‬العالية،‭ ‬بل‭ ‬وهي‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬يصعب‭ ‬علينا‭ ‬تفصيله‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬الصحفية‭ ‬الأسبوعية‭ ‬وفي‭ ‬مساحة‭ ‬وكلمات‭ ‬محدودة،‭ ‬إذا‭ ‬فكل‭ ‬ما‭ ‬ذكر‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬إشارات‭ ‬توضيحية‭ ‬عامة‭ ‬ومختصرة‭.‬

وللمزيد‭ ‬من‭ ‬الغوص‭ ‬في‭ ‬عمقها‭ ‬والولوج‭ ‬في‭ ‬فضائها‭ ‬وفي‭ ‬أبعاد‭ ‬ممارسة‭ ‬الرياضة‭ ‬بوجه‭ ‬عام‭ ‬وما‭ ‬تتضمنه‭ ‬من‭ ‬مفاهيم‭ ‬وتعاليم‭ ‬إنسانية‭ ‬عالية‭ ‬المقام،‭ ‬أورد‭ ‬لكم‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬المخاطبات‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬إليّ‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬الرياضيين‭ ‬وطالبني‭ ‬بالخوض‭ ‬فيها‭ ‬لأهميتها‭ ‬وتقديم‭ ‬الحكاية‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬حديثه‭ ‬بأنها‭ ‬جديرة‭ ‬بتركيز‭ ‬رجال‭ ‬الصحافة‭ ‬عليها‭ ‬وتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الحادثة‭ ‬بقوة‭ ‬لأن‭ ‬فيها‭ ‬دروسا‭ ‬وعبرا‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬النواحي‭ ‬ومنها‭ ‬الرياضية‭ ‬وجانبها‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬الطيبة‭ ‬وتطورها،‭ ‬الإنسانية‭ ‬وقيمها‭ ‬والتعاون‭ ‬بين‭ ‬الجميع‭.‬

وسرد‭ ‬ببلاغة‭ ‬ونباهة‭ ‬ووعي‭ ‬تام‭ ‬حادثة‭ ‬توقف‭ ‬قلب‭ ‬اللاعب‭ ‬الدنماركي‭ ‬إريكسون،‭ ‬مشيرا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تدرس،‭ ‬فضمن‭ ‬منافسات‭ ‬بطولة‭ ‬كأس‭ ‬أوروبا‭ ‬وبالتحديد‭ ‬خلال‭ ‬مباراة‭ ‬فنلندا‭ ‬والدنمارك‭ ‬شاهد‭ ‬الجميع‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬الأمم،‭ ‬نعم‭ ‬التعليم‭ ‬ولا‭ ‬غرابة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬شوهد‭ ‬في‭ ‬الملعب‭ ‬وكان‭ ‬بسبب‭ ‬مستوى‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬والذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬أكثر‭ ‬تحضرا‭ ‬ووعيا‭ ‬وبمفاهيم‭ ‬إنسانية‭ ‬عالية‭ ‬جدا‭.‬

فبالأمس‭ ‬القريب‭ ‬توقف‭ ‬بشكل‭ ‬مفاجئ‭ ‬قلب‭ ‬اللاعب‭ ‬كريستيان‭ ‬إريكسون‭ ‬مهاجم‭ ‬منتخب‭ ‬الدنمارك‭ ‬وسقط‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الملعب،‭ ‬والمهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقام‭ ‬هو‭ ‬ماذا‭ ‬بعد،‭ ‬فأحد‭ ‬لاعبي‭ ‬الفريق‭ ‬المنافس‭ ‬أوقف‭ ‬اللعب‭ ‬مباشرة‭ ‬بمجرد‭ ‬أنه‭ ‬شك‭ ‬بأن‭ ‬منافسه‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام‭ ‬ويحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مساعدة،‭ ‬وأحد‭ ‬زملاء‭ ‬اريكسون‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬شهادة‭ ‬طبيب‭ ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بالطب‭ ‬وضع‭ ‬زميله‭ ‬على‭ ‬جنبه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقد‭ ‬الوعي‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬منه‭ ‬لإنقاذه‭ ‬من‭ ‬الاختناق‭.‬

وفي‭ ‬ذات‭ ‬اللحظة‭ ‬يندفع‭ ‬الفريق‭ ‬الطبي‭ ‬الدنماركي‭ ‬ويعقبه‭ ‬الفريق‭ ‬الطبي‭ ‬الفنلندي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تقديم‭ ‬الدعم،‭ ‬وفي‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة‭ ‬يظهر‭ ‬فريق‭ ‬الإسعاف‭ ‬الطبي‭ ‬راكضا‭ ‬ومتأهبا‭ ‬للمساعدة‭ ‬وكل‭ ‬هذا‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬ثوان‭ ‬معدودة،‭ ‬صاعق‭ ‬كهربائي‭ ‬وانعاش‭ ‬قلب‭ ‬وحقن‭ ‬مواد‭ ‬منشطة‭ ‬للقلب‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الملعب،‭ ‬الصاعق‭ ‬يعمل‭ ‬لأنه‭ ‬جرت‭ ‬صيانته‭ ‬والتأكد‭ ‬من‭ ‬كفاءته‭ ‬مرتين‭ ‬وليس‭ ‬مرة‭ ‬واحدة،‭ ‬الطبيب‭ ‬متأهب‭ ‬لأنه‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬وظيفة‭ ‬واحدة‭ ‬ويتقاضى‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬وغير‭ ‬مشغول‭ ‬بمتابعات‭ ‬بين‭ ‬المستشفيات‭ ‬الأهلية‭ ‬والعيادات‭ ‬الخاصة‭.‬

وهناك‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬التعليمية،‭ ‬اللاعبون‭ ‬يحيطون‭ ‬بزميلهم‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬دائرة‭ ‬تخفي‭ ‬عنه‭ ‬عدسات‭ ‬الكاميرات‭ ‬للمحافظة‭ ‬على‭ ‬خصوصيته‭ ‬حتى‭ ‬والموت‭ ‬قريب‭ ‬منه،‭ ‬وأعضاء‭ ‬الفريق‭ ‬المنافس‭ ‬يقفون‭ ‬بعيدا‭ ‬ويشكلون‭ ‬ممرا‭ ‬شرفيا‭ ‬يصفقون‭ ‬فيه‭ ‬لمنافسيهم‭ ‬عند‭ ‬استئناف‭ ‬المباراة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يمنحوهم‭ ‬الدعم‭ ‬ويقدمون‭ ‬له‭ ‬الاحترام‭ ‬الذي‭ ‬يستحقونه،‭ ‬وأما‭ ‬الجماهير‭ ‬القابعة‭ ‬على‭ ‬المدرجات‭ ‬فكلهم‭ ‬يشعرون‭ ‬بالحزن‭ ‬والترقب‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يواسي‭ ‬عائلة‭ ‬اللاعب‭ ‬وهذا‭ ‬حال‭ ‬البشر‭ ‬الحقيقيين‭ ‬والمتعلمين‭ ‬بالكامل‭ ‬في‭ ‬الرياضة‭.‬

فالموت‭ ‬عندهم‭ ‬حدث‭ ‬عظيم‭ ‬والإنسان‭ ‬لديهم‭ ‬أقدس‭ ‬الكائنات‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض،‭ ‬وأما‭ ‬الأخلاق‭ ‬والعلم‭ ‬الذي‭ ‬نشير‭ ‬إليه‭ ‬فهو‭ ‬تاج‭ ‬فوق‭ ‬رؤوسهم،‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬مدارس‭ ‬ورحاب‭ ‬الرياضة‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الجميع‭ ‬أكثر‭ ‬وعيا‭ ‬ورقيا،‭ ‬فهم‭ ‬أصبحوا‭ ‬هكذ‭ ‬بعدما‭ ‬نهلوا‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬واستفادوا‭ ‬من‭ ‬أخطائهم،‭ ‬نعم‭ ‬نهلوا‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬وجسدوه‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬خلاصة‭ ‬للحديث‭ ‬فنقول‭ ‬بأن‭ ‬التعليم‭ ‬يصنع‭ ‬الحضارة‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬الرياضيين‭ ‬فئة‭ ‬واعية‭ ‬ومدركة‭ ‬ومتحضرة‭ ‬ويعرفون‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقدر‭ ‬بثمن‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المكاسب‭ ‬الرياضية،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬هي‭ ‬اللعبة‭ ‬الشعبية‭ ‬فيستحق‭ ‬كل‭ ‬ممارسيها‭ ‬ومتابعيها‭ ‬دروسا‭ ‬عملية‭ ‬في‭ ‬قيمها‭ ‬الإنسانية‭.‬

سألني‭ ‬الناس‭:‬

من‭ ‬هو‭ ‬الرياضي‭ ‬الذي‭ ‬خاطبك‭ ‬بهذا‭ ‬الموضوع‭ ‬المهم؟

أجبتهم‭:‬

أول‭ ‬حرف‭ ‬من‭ ‬اسمه‭ ‬هو‭ ‬المدرب‭ ‬الوطني‭ ‬والمحاضر‭ ‬ومكتشف‭ ‬المواهب‭ ‬خضير‭ ‬عبدالنبي‭.‬

** نقلا عن صحيفة أخبار الخليج البحرينية

إعلان
إعلان
إعلان
إعلان