
هل يتصور أحد ما أن الرياضة في مضامينها الإنسانية النبيلة الراقية وفي مفهومها الروحي العام إنما هي مجرد الإقدام بشوق وحماس على التعامل مع أدوات رياضية جامدة أو هي فقط مداعبة كرات بأحجام وأوزان وألوان مختلفة، أم أنها مجرد ممارسة لواحدة من الألعاب العديدة المتاحة للجميع سواء كانت لعبة جماعية أو فردية وبالتالي الاستفادة من عوائدها الصحية والبدنية والذهنية كما ونوعا.
وللإجابة على هذا التساؤل نؤكد أن الرياضة في بعدها العام وفي مضمونها الإنساني الفسيح هي أكبر بكثير من كونها حالة من حالات الممارسة الجسدية والعضلية، كما أنها أكثر بكثير من ذلك في مقامها ومكانتها العالية، بل وهي أبعد من ذلك إلى حد يصعب علينا تفصيله في هذه الزاوية الصحفية الأسبوعية وفي مساحة وكلمات محدودة، إذا فكل ما ذكر هو مجرد إشارات توضيحية عامة ومختصرة.
وللمزيد من الغوص في عمقها والولوج في فضائها وفي أبعاد ممارسة الرياضة بوجه عام وما تتضمنه من مفاهيم وتعاليم إنسانية عالية المقام، أورد لكم واحدة من المخاطبات التي وصلت إليّ من أحد الرياضيين وطالبني بالخوض فيها لأهميتها وتقديم الحكاية التي قال عنها في حديثه بأنها جديرة بتركيز رجال الصحافة عليها وتسليط الضوء على تلك الحادثة بقوة لأن فيها دروسا وعبرا من جميع النواحي ومنها الرياضية وجانبها الأخلاقي، الطيبة وتطورها، الإنسانية وقيمها والتعاون بين الجميع.
وسرد ببلاغة ونباهة ووعي تام حادثة توقف قلب اللاعب الدنماركي إريكسون، مشيرا إلى أن كرة القدم تستحق أن تدرس، فضمن منافسات بطولة كأس أوروبا وبالتحديد خلال مباراة فنلندا والدنمارك شاهد الجميع ما يفعله التعليم في الأمم، نعم التعليم ولا غرابة في ما شوهد في الملعب وكان بسبب مستوى التعليم العالي والذي يجعل من البشر أكثر تحضرا ووعيا وبمفاهيم إنسانية عالية جدا.
فبالأمس القريب توقف بشكل مفاجئ قلب اللاعب كريستيان إريكسون مهاجم منتخب الدنمارك وسقط على أرض الملعب، والمهم في هذا المقام هو ماذا بعد، فأحد لاعبي الفريق المنافس أوقف اللعب مباشرة بمجرد أنه شك بأن منافسه ليس على ما يرام ويحتاج إلى مساعدة، وأحد زملاء اريكسون الذي لا يحمل شهادة طبيب ولا علاقة له بالطب وضع زميله على جنبه بعد أن فقد الوعي في محاولة منه لإنقاذه من الاختناق.
وفي ذات اللحظة يندفع الفريق الطبي الدنماركي ويعقبه الفريق الطبي الفنلندي من أجل تقديم الدعم، وفي الجهة المقابلة يظهر فريق الإسعاف الطبي راكضا ومتأهبا للمساعدة وكل هذا يحدث في ثوان معدودة، صاعق كهربائي وانعاش قلب وحقن مواد منشطة للقلب على أرض الملعب، الصاعق يعمل لأنه جرت صيانته والتأكد من كفاءته مرتين وليس مرة واحدة، الطبيب متأهب لأنه يعمل في وظيفة واحدة ويتقاضى ما يستحق وغير مشغول بمتابعات بين المستشفيات الأهلية والعيادات الخاصة.
وهناك المزيد من النتائج التعليمية، اللاعبون يحيطون بزميلهم على شكل دائرة تخفي عنه عدسات الكاميرات للمحافظة على خصوصيته حتى والموت قريب منه، وأعضاء الفريق المنافس يقفون بعيدا ويشكلون ممرا شرفيا يصفقون فيه لمنافسيهم عند استئناف المباراة من أجل أن يمنحوهم الدعم ويقدمون له الاحترام الذي يستحقونه، وأما الجماهير القابعة على المدرجات فكلهم يشعرون بالحزن والترقب وهناك من يواسي عائلة اللاعب وهذا حال البشر الحقيقيين والمتعلمين بالكامل في الرياضة.
فالموت عندهم حدث عظيم والإنسان لديهم أقدس الكائنات على وجه الأرض، وأما الأخلاق والعلم الذي نشير إليه فهو تاج فوق رؤوسهم، التعليم في مدارس ورحاب الرياضة جعل من الجميع أكثر وعيا ورقيا، فهم أصبحوا هكذ بعدما نهلوا من العلم واستفادوا من أخطائهم، نعم نهلوا من العلم وجسدوه على أرض الواقع، وإن كانت هناك خلاصة للحديث فنقول بأن التعليم يصنع الحضارة ويجعل من الرياضيين فئة واعية ومدركة ومتحضرة ويعرفون القيم الإنسانية التي لا تقدر بثمن إلى جانب المكاسب الرياضية، وبما أن كرة القدم هي اللعبة الشعبية فيستحق كل ممارسيها ومتابعيها دروسا عملية في قيمها الإنسانية.
سألني الناس:
من هو الرياضي الذي خاطبك بهذا الموضوع المهم؟
أجبتهم:
أول حرف من اسمه هو المدرب الوطني والمحاضر ومكتشف المواهب خضير عبدالنبي.
** نقلا عن صحيفة أخبار الخليج البحرينية
قد يعجبك أيضاً



