سمعنا منذ القدم ونقلاً عن آبائنا وأجدادنا حكمةً أو قولٍ مأثور يقول "في التأني السلامة وفي العجلة الندامة", وقصد أجدادنا من قولهم هذا أن لا يتعجل الأنسان في اتخاذ قرار قد يندم عليه او في عمل ينجزه بسرعة دون اتقان قد تكون نتائجه معكوسة!
ولكن أجدادنا عندما أطلقوا قولهم هذا لم يقصدوا بتاتاً ان نوقف عجلة العمل أو آلة أتخاذ القرار بحجة العجلة؛ فهناك أمور وقضايا مهمة هي من أول مهمات أصحاب الشأن ومتخذي القرار وعليهم البت بهابسرعة معقولة وعدم التأخير في حسمها لأن نتائجها بالتأكيد ستكون وخيمة على الجميع : قادةً ورعية!
سقنا هذه المقدمة التي كان لا بد منها لوصف الحالة الغريبة وربما الفريدة التي يعيشها الأتحاد العراقي لكرة القدم وبالتالي (يفرض) على جميع المتابعين والمشجعين وعلى جميع الجماهير الرياضية, ان تترقب يوماً بعد يوم, وأسبوعاً بعد أسبوع, وشهراً بعد شهر, قراراً مهماً شخصت نحوه أبصار الجميع منتظرة ساعة الحسم واللحظة التي سيولد فيها هذا القرار بعد عسرٍ ومخاضٍ يبدو أنه قد صار طويلاً ... طويلا.
القرار ببساطة سادتي الكرام هو تعيين المدرب القادم للمنتخب الوطني العراقي بعد أقالة السيد أكرم سلمان المدرب السابق للمنتخب عقب خروج المنتخب العراقي من بطولة كأس الخليج الثامنة عشر التي جرت في الأمارت العربية والأحداث التراجيدية التي رافقت هذا الخروج وعملية نشر الغسيل وتوجيه الأتهامات بين بعض لاعبي المنتخب العراقي من جهة والسيد سلمان والاتحاد العراقي من جهة اخرى على هواء القنوات الفضائية العربية التي كانت بالنسبة لها مادة دسمة توفرت لها دون عناء ودون تعب للبحث والتقصي عن مادة اعلامية مثيرة للمشاهد العربي.
والجميع يعلم ان خليجي 18 قد انتهت منذ شهر كانون ثاني/يناير الماضي, والتي شكل عقب أنتهائها الأتحاد العراقي لكرة القدم لجنة تحقيقية للتحقيق في تلك الأحداث التراجيدية لتحديد المقصرين واصدار العقوبات المناسبة واتخاذ الأجراءات اللازمة لمنع حدوث ما حصل مرة أخرى....
ورغم أجماع الشارع الرياضي العراقي في أغلبه على ان عمل اللجنة لم يكن بتلك الصعوبة وان الكثير من الامور كانت واضحة ولا تحتاج للكثيرمن الفحص والتمحيص للوصول الى القرارات المناسبة, فأن تلك اللجنة قد أستمرت في عملها ما يربو على الثلاثة شهور, وهي فترة رآها معظم متتبعي الشأن الرياضي العراقي, فترة طويلة جداً كان يجب اختصارها وحسم الأمور بسرعة لكي يتم وضع الأمور في نصابها واعادة الّلُحمة للمنتخب الوطني العراقي الذي انفرط عقده ولم يتجمع منذ الخروج من خليجي 18. خصوصاً وأن المنتخب الوطني لأي دولة يمثل أهم أولويات أتحادها الكروي الوطني الذي من المفروض أن يسعى بقوة ويسخر جميع أمكانياته المادية والبشرية لخدمة أسم المنتخب الوطني لأنه رمز كبير يتجمع حوله ولاء واعتزاز مواطني البلد ويمثل لهم فخراً وعزاً يتغنون به وبأنجازاته.
وبعد الشهور الثلاث تلك خرجت اللجنة بجملة توصيات تم من خلالها أقالة مدرب المنتخب العراقي السيد أكرم سلمان ومعاقبة ثلاثة لاعبين وقرارات أخرى يمكن للقاريء أن يجد تفاصيلها هنا:
لجنة التحقيق في احداث خليجي 18 تبريء ساحة الأتحاد العراقي
ورغم عدم اتفاق الشارع الرياضي على توصيات اللجنة التحقيقية فأن هذا الشارع كان يلح على ضرورة الاسراع بتعيين مدرب جديد للمنتخب العراقي ويعجب كيف ان مثل هكذا أمر من الممكن أن يخفى او يمر على أتحاد كروي عريق يرأسه خبير كروي واداري محنك هو السيد حسين سعيد الذي حاز قبل ايام قلائل على وسام الخدمة العالي من الأتحاد الأسيوي لكرة القدم!
سادتي الكرام أن للمنتخب الوطني العراقي مقبل على مشاركتين مهمتين؛ أولهما هي بطولة اتحاد غرب اسيا التي ستقام في لبنان في شهر يونيو/حزيران القادم, وتتبعها في الشهر الذي يليه بطولة في غاية الأهمية, الا وهي نهائيات أمم اسيا لكرة القدم والتي سيلعب المنتخب العراقي فيها في المجموعة الأولى التي وصفت بالمجموعة الحديدية الى جانب منتخبات كل من تايلند (احدى الدول المنتظمة للبطولة), واستراليا القادم الجديد للقارة بمحترفيه الذين يلعب عدد كبير منهم في الدوري الأنجليزي, ومنتخب عُمان القوي والمتطلع بقوة لتحقيق أنجاز يوازي قوة الجيل الحالي من لاعبيه.
ولو ركنا بطولة غرب آسيا على جنب على أساس انها بطولة ذات أهمية أقل, فانه لم يتبقَّ للبطولة الاخرى؛ نهائيات أمم اسيا؛ الا اقل من سبعة اسابيع وهي مدة قليلة جداً لا تكفي للتحضير لبطولة بمثل هذه الأهمية والقوة وخصوصاً أن المنتخب العراقي لم يحقق أفضل من المركز الرابع في هذه البطولة على مدى تاريخها الذي يمتد لأكثر من خمسين عاماً. بينما تتطلع الجماهير العراقية لتحقيق أنجاز في هذه البطولة مدفوعة بالثقة العالية التي تضعها في جيل اللاعبين الحالي للكرة العراقية والذي رغم الظروف الصعبة التي يعيشها العراق فأن هؤلاء اللاعبين قدموا مستويات كبيرة في الأندية التي يلعبون فيها او البطولات الاقليمية والقارية والتي أبتدأت منذ عام 2000 حينما حصل منتخب شباب العراق على كاس اسيا للشباب ثم تأهل نفس جيل اللاعبين الى نهائيات أولمبياد أثينا عام 2004 وأحرز فيها المركز الرابع في انجاز كبير للكرة العراقية والعربية اضافة للميدلية الفضية التي احرزها المنتخب الأولمبي العراقي في دورة الألعاب الاسيويةالتي جرت نهاية العام المنصرم في الدوحة.
وقد تتالت أجتماعات الأتحاد العراقي وتأجيلاته أيضاً منذ فترة من اجل تحديد أسم مدرب المنتخب, وتسربت للاعلام اسماء كثيرة (واشاعات أكثر), من بينها اسماء عراقية مثل السادة يحيى علوان مدرب المنتخب الأولمبي العراقي الحالي, والسيد عدنان حمد مدرب النادي الفيصلي الاردني والسيد عدنان درجال مدرب نادي الوكرة القطري , وكذلك أسماء أجنبية مثل السويدي برال والروماني يوردانيسكو وغيرهم.
ولكن ورغم ترقب الشراع الرياضي وبشغف وبلهفة لمعرفة اسم المدرب الجديد, فأن الأتحاد العراقي يبدو انه في وادٍ والجماهير الرياضية في وادٍ آخر, أو ربما ان هناك من فقد الأحساس بتسارع الزمن ولا يعلم ان الفترة المتبقية لكأس أمم اسيا هو سبعة اسابيع فقط , أو ربما ان تحقيق أنجاز للكرة العراقية أو على الأقل تقديم مستوى مشرف للكرة العراقية هي ليست من مهام الأتحاد العراقي ... فكل يوم يتهادى لاسماعنا خبر عن تأجيل الأتحاد العراقي في البت او الأعلان عن أسم مدرب المنتخب الوطني العراقي وكأن الأمر لا يعنيه... ولا نعلم متى ستأتي اللحظة التي سنسمع فيها ان الاتحاد العراقي قد صحى من (نومه) في بحر (العسل) هذا وحدد لنا أسم المدرب الجديد وأراح أعصابنا التي لم تعد تستحمل انتكاسات جديدة ولم تعد تستحمل مشاهدة جهود لاعبين رائعين يمثلون جيلاً ذهبياً بحق وهي تضيع وتتبعثر في غياهب التخبط والتلكؤ في اتخاذ القرارات .



