سيسرد كووورة تاريخ كرة القدم اليابانية أسبوعياً عبر ثمانية حلقات بحسب عدد فصول كتاب «كرة القدم اليابانية» الذي ألفه الكاتب السعودي ريان الجدعاني، أحد أعضاء منتديات وموقع كووورة، والصادر مؤخراً عن دار هماليل للطباعة والنشر والتوزيع الإماراتية، وفي هذا الأسبوع سيسرد الحلقة الأولى الذي يحمل عنوان:
«بداية الكرة في اليابان»
بدأ الشعب الياباني في ممارسة كرة القدم منذ القرون الماضية، وتتحدث بعض السجلات التاريخية في اليابان بأنهم مارسوها حوالي 1004 سنة قبل الميلاد، ولكن ليس كرة القدم الحديثة التي نعرفها بل كانت كرة خاصة لليابانيين تسمى (الكيماري) والتي تختلف قوانينها عن كرة القدم الرسمية.
في العادة تلعب هذه الرياضة في حقول المزارع عندما يتم وضع مساحة أشبه بملعب ولكن ليس كبيراً، حيث لا يتجاوز مساحته 7 أمتار مع تواجد أربعة أغصان من 4 أنواع من الأشجار توضع في 4 اتجاهات من الملعب، وهي أغصان شجرة الكرز والقيقب والصنوبر والصفصاف، لتكون هذه الرياضة محصورة للعائلات المرموقة باليابان التي تمتلك المزارع، وتمتلك القدرة على تحويل جزء من مزارعها إلى ساحة وملعب خاص.
ويشارك ما بين 2 إلى 12 لاعباً يكون هدفهم قذف الكرة بأقدامهم ورؤوسهم إلى الأعلى والمحافظة عليها بقدر المستطاع في الهواء وعدم سقوطها على الأرض، حيث يتم صناعة الكرة من جلد الحصان مع حشوها بحبوب الشعير.
ولكن لم تتمكن الكيماري من الصمود في القرون التالية أمام الكرة الحديثة التي وصلت لليابان عبر الجنود والسياسيين البريطانيين والأمريكان الذين وصلوا للأراضي اليابانية بعد انفتاحها المؤقت في عام 1854 عندما أُجبرت اليابان على الانفتاح وفتح أبوابها للغرب بعد أن هددها عميد البحرية الأمريكية ماثيو بيري بغزوها في حال استمرت في العزلة ومقاطعة دول العالم.
وبعد توقيعها على اتفاقية كاناغاوا في عام 1854 والتي تجبرها على فتح أبوابها للغرب تمكن الشعب الياباني من مشاهدة كرة القدم الحديثة التي تختلف كثيراً عن كرة الكيماري، فقد شهدت الموانئ البحرية قدوم العديد من البحارة البريطانيين الذين يمتلكون خبرة مع كرة القدم الحديثة بعكس اليابانيين.
لم يتمكن المؤرخون اليابانيون من معرفة تاريخ أول ظهور لرياضة كرة القدم الحديثة على أرض اليابان بعد انفتاح 1854، إلا أن وثيقة من الاتحاد الياباني لكرة القدم تؤكد بأن الشعب الياباني شاهد أول مباراة للكرة الحديثة في عام 1873 والتي نظمها ضابط البحرية البريطانية يدعى ارتشيبالد دوغلاس عندما قام الضابط بجمع 22 بريطانياً لإقامة مباراة في إحدى السواحل اليابانية.
عند العودة إلى سبب عدم معرفة المؤرخون اليابانيون التاريخ الحقيقي لانتشار كرة القدم الحديثة في بلادهم ليكون هذا العهد ضبابياً سنجد أن بدايات عهد انفتاح اليابان وتحديداً ما بين عامي 1854 و 1910 شهد العديد من المشاكل داخل المجتمع الياباني لينعكس سلباً على كرة القدم، حيث ساهم اندماج الشعب الياباني مع الثقافة الغربية الجديدة على خوض حرب أهلية في عام 1868 تهدف إلى إسقاط النظام الإقطاعي القديم ومن ثم تبني العديد من مظاهر المؤسسات الغربية كنظامي القانون والحكم الغربي، لتتوقف الحرب في عام 1867 بسقوط الحكم العسكري باليابان الذي يسمى بعهد (الشوغون) وكان يحكم البلاد بالنار والحديد ويرفض الانفتاح للخارج، ليتم إعادة السلطة إلى القصر الإمبراطوري الذي كان يؤمن بالانفتاح للخارج.
في فترة الانفتاح تمكنت بريطانيا من تعميق العلاقات السياسية والتجارية مع اليابان عندما وقعوا على عدة معاهدات ومنها معاهدة لتطوير الرياضة في اليابان وتحديداً رياضة كرة القدم، ليكون المسئول على هذا الملف القنصل البريطاني الشاب وليام هايغ الذي ولد في 14 مارس 1891.
فقد تمكن هايغ من تأسيس بطولة باسم كأس السفارة البريطانية لدوري التحدي لتشهد نسختها الأول بشهر سبتمبر 1918 مشاركة أربعة فرق وهي فريق مدينة طوكيو وفريق جامعة طوكيو وأخيراً فريقان يمثلان السفارة البريطانية باليابان، لتساهم هذه البطولة في انتشار ثقافة إقامة بطولات كرة القدم في جميع أرجاء اليابان.
ولم يكتفي هايغ بنشر ثقافة تنظيم البطولات، بل تمكن من نشر ثقافة جديدة لليابانيين وهي ثقافة التدريبات اليومية للاعبي كرة القدم، عندما قدم هايغ اقتراح لسفارة بلاده بتوفير أماكن تدريب اللاعبين اليابانيين، لتأتي الموافقة سريعاً ويتم توفير بعض الملاعب بهدف غرس ثقافة التدريبات اليومية لليابانيين.
فقد رأى البريطانيين عشوائية الكرة اليابانية بعد ظهور عدة بطولات إقليمية وجامعية وهذا الأمر جعل القنصل هايغ يقدم اقتراحاً تاريخياً للياباني وهو تأسيس الاتحاد الياباني لكرة القدم أسوة بالاتحاد الانجليزي لكرة القدم الذي تأسس في 1863.
بعيداً عن اقتراحات هايغ التطويرية، عاش هايغ بقية حياته في اليابان ليكون جزءاً من الشعب الياباني ويعيش تحت ثقافتهم وأعرافهم، إلا أن نهايته كانت مأساوية عندما توفي في 1 سبتمبر 1923 بسن 32 اثر زلزال عنيف ضرب مدينتي طوكيو ويوكوهاما عندما كان يعمل في مكتبه بمدينة يوكوهاما بنفس وقت حدوث الزلزال العنيف ليتعرض المبنى للانهيار، ويرحل هايغ عن الدنيا وسط حزن شديد من اليابانيين الذين مازالوا إلى يومنا هذا يتذكرون فضله في تطوير الكرة اليابانية في بداية عهدها.


