انتهى المولد، وصاحب المولد كان غايب مع أنه كان يحضّر
انتهى المولد، وصاحب المولد كان غايب مع أنه كان يحضّر نفسه ويسن أسنانه ليكون فتى الشاشة الأول والممثل الرئيسي، سقطت البرازيل في الاختبار وسحرها انهار، صارت في خبر كان قولاً وفعلاً، و10 أهداف هزت شباكها في مباراتين متتاليتين، يا للعار.
شباك البرازيل انقلبت منخلاً أمام ألمانيا، ومن كان يؤازرها من المشجعين العرب راح يتمنى لو تنكسر شوكة نوير ولام ومولر في النهائي أمام الأرجنتين وميسي، لا لشيء إلا نكاية بالسفاحين الطامعين بلقب عالمي رابع، بيد أن الأمر كان مختلفاً تماماً عند البرازيليين، فالسقوط المذهل بالسبعة كانت خيبة أمل قابلة للوصف عندهم، وحتى تكون غير قابلة لذلك، ومن شدة كرههم للأرجنتينيين، كروياً، ناصروا الألمان، فما إن كانت الكلمة الأخيرة لهؤلاء حتى راحوا يحتفلون متناسين ما حصل لمنتخبهم السيلساو، وأذكر تماماً أنه عندما كنت في التاكسي في طريقي الى الأستوديو، سألني السائق: من ستشجع؟ ألمانيا أم الأرجنتين؟ أجبت: رأيي غير مهم، من ستشجع أنت؟ أجاب: ألمانيا طبعاً، وبعد مباراة القمة، توجهت الى متجر لشراء هدية تذكارية، فوضعتها البائعة خلف ظهرها وسألتني: ما هي جنسيتك؟ إذا كنت أرجنتينياً فابتعد من هنا، ولن أبيعك!
ويبادل الأرجنتينيون جيرانهم البرازيليين الشعور ذاته، نزلت ضمن بعثة بي إن سبورتس في فندق راديسون الواقع في أحد أرقى أحياء ريو دي جانيرو، شارع لا نهاية له، يطل على شاطئ لا نهاية له أيضاً، يحضر دييغو مارادونا باستمرار بعد مضي ربع ساعة من منتصف الليل مع كتيبة البودي غارد المكلفة بحراسته بعدما ينتهي تحليله في إحدى الشبكات التليفزيونية الفنزويلية، وروى لي زملاء أنه كان يرقص فرحاً ويهلل في أروقة الطابق الذي يسكن فيه كلما سجلت كولومبيا هدفاً في مرمى البرازيل في الدور الثاني، ويثور ويصرخ استهجاناً من شدة الغضب كلما سجلت البرازيل، وهذا ما حصل أيضاً عندما تخطت البرازيل كوستاريكا بركلات الترجيح في ربع النهائي،
المهم عنده ليس فقط أن تفوز الأرجنتين ولكن أيضاً ألا تعرف البرازيل للفوز طعماً، وقد أمضى منتخبا فرنسا والأوروجواي ليلة واحدة في الفندق عندما لعبا في الريو مع تدفق عشرات الأنصار حتى يكحلوا عيونهم برؤية نجومهم، وعشية مباراة القمة أقام منتخب الأرجنتين في الفندق فضُرب طوق أمني محكم، ولولا ذلك لدخل الآلاف غرفة ليونيل ميسي طمعاً في قبلة أو صورة أو توقيع، وحتى يُقلِق بعض الشبان البرازيليين راحة لاعبي الأرجنتين لجأوا الى إطلاق المفرقعات في سماء محيط الفندق اعتباراً من منتصف الليل ولمدة أكثر من ساعتين على فترات غير منتظمة، اشتكى الأرجنتينيون، ولكن النوم غاب عن عيونهم طويلاً، وكم كان لافتاً أن يرفع المشجعون الأرجنتينيون المتواجدون في استاد ماراكانا إشارة 7 كلما جالت كاميرات التليفزيون على المدرجات قبل انطلاق المباراة النهائية وكأن لا هم لهم إلا الشماتة بالمنتخب العدو، وهذا ما فعلوه أيضاً في الشوارع.
لكل رحلة مذاق، ولرحلة الريو، مذاقات!
** نقلا عن صحيفة "استاد الدوحة" القطرية