إعلان
إعلان

أكذوبة عظيمة أسمها "إنجاز 1994"

ريان الجدعاني
19 يناير 201621:20
vrcqbsvx

"جميع من نجحوا في أي شيء ولا يذكرون الحظ يمازحون أنفسهم"، تذكرت مقولة الإعلامي الأمريكي الشهير لاري كينغ عندما شاهدت ردة الفعل المبالغة من الإعلام الرياضي في السعودية تجاه الخروج المبكر للمنتخب السعودي الأولمبي من منافسات كأس أمم آسيا 2016 لتحت 23 عاماً بدولة قطر.

مكمن استغرابي من ردة فعلهم يعود إلى انقسام الإعلاميين إلى أحزاب متفرقة لتتفرق معهم الأسباب الحقيقية لاستمرار تدهور حال الكرة السعودية كما يعتقدون، حزب يرى بأن رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم أحمد عيد يتحمل كامل المسؤولية، وحزب آخر يرى أن اللاعبين مستهترين مع ترديدهم مقولة "جيل الجديد مستهتر بعكس جيل 1994"، وحزب ثالث يتمسك بنفس مبرراته القديمة التي لم يتخلص منها منذ العقود الماضية وهو مبرر "المدرب" والذي أصبح شمعة لأي إخفاق.

استغرب كثيراً من ترديد الإعلام الرياضي في السعودية مقولة "الجيل الجديد يدمر ما بناه جيل 1994" والذي يحمل اللاعبين الحاليين فوق طاقتهم، أو بالأحرى يجعلهم في مقارنة قاسية مع ما يسمى "انجاز 1994" والذي يعتبر من المقدسات الرياضية التي لا تمس، فقد تحول انجاز تأهل المنتخب السعودي لدور 16 من كأس العالم 1994 بولايات المتحدة الأمريكية إلى عصا غليظة تضرب ظهور ورؤوس اللاعبين في كل إخفاق، ليتحول "إنجاز 1994" إلى فزاعة تخيف اللاعبين قبل الخصوم!

منذ العام 2002، وتحديداً منذ حدوث "مأساة سابورو" عندما خسر المنتخب السعودي أمام ألمانيا بثمانية أهداف نظيفة في كأس العالم بكوريا الجنوبية واليابان، خاف بعض الإعلاميين من طرح موضوع "الانجاز المقدس" ومحاولة تفكيكه ووضعه في خانة العقل والمنطق، فقد كانوا يريدون الإجابة على هذا السؤال الذي يعتبر من الموبقات في الإعلام الرياضي السعودي مفاده.. هل كان انجاز 1994 مجرد ضربة حظ؟

عند أخذ نظرة خاطفة على جيل 1994 سنجد بأنهم ليسوا نسخا عن "سوبرمان" أو أصحاب معجزات خارقة بل كانت حياتهم الرياضية قريبة للغاية من حياة لاعبو الجيل الحالي، فأغلب لاعبي الجيل المقدس كانوا لا يتمرنون في مقر النادي سوى ساعتين مثل الجيل الحالي، وهذا الأمر يعتبر خلل كبير في منظومة كرة القدم القديمة والحديثة، فاللاعب الحقيقي في أوروبا وأمريكا الجنوبية والشمالية وآسيا وأفريقيا يتدرب لأكثر من تسع ساعات يتخللها التغذية الصحية وتدريبات الحديد، ليتعامل اللاعب مع كرة القدم كمهنة حقيقية.

ولكن الفرق الواضح بين لاعبو الانجاز المقدس ولاعبو المنتخب الأولمبي الذي خرج مبكراً من الدوحة القطرية هو أن الجيل المقدس كان يضرب اللوائح وأنظمة الاتحاد السعودي لكرة القدم عرض الحائط دون حسيب أو رقيب.

سمعنا الكثير من القصص في معسكرات التدريب في الثمانينات والتسعينات والتي تدور حول هرب اللاعبين "المشاهير" من المعسكر وتسكعهم في الشوارع والسهر إلى الفجر قبل خوضهم المباريات بساعات قليلة، ومنهم من كان يدمن على التدخين، وآخرين تعرضوا للشطب من الاتحاد السعودي بسبب سلوكياتهم المنحرفة خارج الملعب.

وأخيراً ظهر من بين جيل المقدس لاعب يصرخ بوجه مدربه بمقولته التي أصبحت من أشهر المقولات في كرة القدم السعودية.."أنا تركت المدرسة بسبب عدم رغبتي في الاستيقاظ مبكراً، الآن تريدني الاستيقاظ صباحاً من أجل التدريبات الصباحية؟".

وعند الحديث عن الانجاز المقدس نفسه والذي يعتبر من المحظورات التي قد تؤدي كاتبها إلى الجحيم، فاننا من الممكن أن نصفه بأنه مجرد "ضربة حظ" لأن ليس من الممكن أن تنتصر على منتخبي المغرب وبلجيكا وأنت لا تتدرب سوى ساعتين، وبل أيضاً تعتمد على خطط دفاعية ركيكة والتي كادت أن تجلب الأهداف التي لا تعد ولا تحصى من قبل هولندا والمغرب وبلجيكا والسويد لو لا دعاء الوالدين.

نعم أنا أؤمن بأن دعاء الوالدين كان له مفعوله السحري في ظهور ما يسمى "انجاز 1994" لأن ليس من المعقول أن تصل لدور 16 وأنت تعاني من عيب يمتد من السبعينات والثمانيات ولم تعالجه بعمليات الليزر وهو عيب "الكرات العرضية" التي يفشل المدافعين في مواجهتها، فمدافعي المنتخب الأولمبي الذي خرج مبكراً من الدوحة يعتبر امتداد لمدافعي "انجاز 1994" ولكن الفارق هو دعاء الوالدين فقط.

محق من قال أن الحظ لا يأتي سوى مرة واحدة، ولهذا شاهدنا جيل الانجاز المقدس يخرجون مبكراً من كأس العالم 1998 بفرنسا، وقد خسروا من أصحاب الأرض منتخب فرنسا برباعية نظيفة، ليكون حال "جيل المقدس" كحال جيل المهاجم دافور سوكر (48 عاماً) الذي أوصل منتخب كرواتيا إلى المركز الثالث في كأس العالم 1998، ولكن بعد أن تسلم رئاسة الاتحاد الكرواتي لكرة القدم قبل ثلاث سنوات اعترف للجميع بأن ذلك الانجاز كان مجرد ضربة حظ، مع العلم أن جيل دافور سوكر كانوا متميزين في خططهم الدفاعية بفضل اعتمادهم على لاعبين يتدربون لأكثر من تسع ساعات بعكس زملائنا الذين جلبوا الآلام لبطون مشاهديهم طوال 90 دقيقة بسبب الهجمات الخطرة التي تهدد مرماهم لضعف خططهم الدفاعية.

أعلم جيداً أن كلامي سيغضب الكثير وقد نرى الإعلام الرياضي في السعودية سيبدأ في سن السكاكين من أجل قطع يد كل من يلمس الانجاز المقدس، ولكن إذا أردنا أن نبني مستقبل مزهر لرياضة وطننا علينا أن نؤمن بمبدأ القطيعة الأبدية للماضي، لأن الماضي بُني بالحظ فقط لا غير، والحظ لا يساعدك على بناء مبنى من 90 طابق، فحالياً نحن نمتلك مبنى متهالك من طابقين فقط بعكس جيراننا الآسيويين الذين قاموا ببناء ناطحات سحب لأكثر من 120 طابق لأنهم اعتمدوا على قاعدة صلبة وحقيقية وهي قاعدة اكتشاف المواهب عبر المدارس الثانوية من أجل رعايتها احترافياً وفكرياً وثقافياً، بعكس المبنى المتهالك الذي قمنا ببنائه في 1994 لأن قاعدته كُتب عليه.."صنع من الحظ".

إعلان
إعلان
إعلان
إعلان