من الوهلة الاولي شعرت ان اوزباكستان ستكون ضحية الانفلات الفكري
من الوهلة الاولي شعرت ان اوزباكستان ستكون ضحية الانفلات الفكري للمدربين، الذي بدأ مع انطلاقة دور الثمانية لكأس الامم الآسسيوية ، وتمادي في شكل بالغ السذاجة في مباراتي الدور قبل النهائي، فمن قال إن الوصول إلي مرحلة خروج المغلوب ، يعني الاداء بمجازفة و بمنتهي التهور وفتح اللعب علي مصراعيه ، والتخلي عن النظام والانضباط التكتيكي وتأمين الدفاع ، واللجوء إلي سذاجة الهجوم بشكل أرعن يؤدي إلي حدوث كوارث وفضائح لا لزوم لها ولا داعي، كما حدث من قبل في مباراة - طيب الذكر- المنتخب الاخضر السعودي ، التي اندفع خلالها بكل صفوفه، وبتهور خالي من الانضباط لتحقيق فوز معنوي علي اليابان، فكانت خسارة ثقيلة جدا بالاربعة امام اليابان، ونفس الشيء تكرر في المباراة الثانية للدور قبل النهائي،عندما لقي المنتخب الاوزبكي خسارة تاريخية امام الكانجارو الاسترالي بستة أهداف نظيفة ، كان يمكن ان تكون عشرة أهداف ، لولا براعة الحارس تيمور جوراييف في انقاذ مرماه من عدة انفرادات قاتلة !
.. وتثور الاسئلة لدي الجميع من متابعي البطولة، وجماهير الكرة في كل مكان ممن أندهشوا لهذا الانكسار والانهيار الاوزبكي.. لماذا هذه الهزيمة المذلة – وهذه أكثر الكلمات التي أكرهها في قاموسي الكروي – ولماذا خرج الفريق الاوزبكي بهذه الفضيحة الكروية ، رغم أنه حقق أفضل إنجاز لبلاده في هذه البطولة ؟، لماذا يصبح فريق كبير ومحترم ويضم مجموعة من أفضل النجوم "هفية" و"ملطشة" امام منافسه ، وكأن لاعبيه عادوا إلي مرحلة لعب الحواري ونسوا أي مهارات او تكتيكات او طرق لعب ؟
والواقع أنني كنت أحسد المدرب الاوزبكي فاديم ابراموف علي حنكته الكروية التي جعلته من أفضل المدربين تكتيكا في مرحلة المجموعات ، لانه يسيطر علي فريقه الذي يلعب بتأني وانضباط تكتيكي كبير ، وقد علّم لاعبي فريقه الصبر والتحفظ حتي يكتشفوا نقاط القوة والضعف في منافسهم ، وحتي يغري- تمركزهم في حالة الدفاع - هذا المنافس بالهجوم المندفع الساذج، ولما تنكشف تحصيناتهم، ينقض عليهم الاوزبك في هجمات مرتدة منظمة وبعدد وافر من المهاجمين، ليسجلوا في مرماهم، وبهذه الطريقة فازوا علي العنابي القطري ثم علي الازرق الكويتي ، واكتفوا بالتعادل مع التنيين الصيني، وحتي في دور الثمانية وفي مواجهة نشامي الاردن كانت للفريق الاوزبكي استراتيجية ومبادرات هجومية لم تكن ابدا علي حساب الانضباط التكتيكي والمحافظة علي الايقاع الذي يريده الفريق ولما خطفوا هدفين في خمس دقائق من النشامي ، عادوا إلي تجميد المباراة واستهلاك الوقت باحترافية حتي ظفروا بالفوز.
ويبدو ان الاوزبك – علي عكس تصريحات مدربهم – عاشوا حالة من الهلع والخوف من نجوم الكانجاروالاسترالي، فنزلوا الملعب متوترين وانقادوا بسهولة لايقاع القطار الاسترالي السريع ، وفقدوا مع الوقت التحكم والانضباط وتنظيم الصفوف خاصة بعد الهدف المبكر جدا لهاري كيويل .
وتوقعت من ابراموف الذي زعم قبل المباراة ان فريقه يتحرق شوقا لمواجهة الاستراليين والفوز عليهم ، سيلعب بطريقة احترافية متحفظة في مواجهة فريق مكون من محترفين يلعب أغلبهم في الدوري الانجليزي ، وأنه قادر علي امتصاص الحماس الاسترالي واستغلال مواهب نجومه جينريخ وجيباروف وحسنوف وشاتسكيخ ، ولكنه ارتكب مع لاعبيه العديد من الاخطاء بل والجرائم الكروية، وأولها إبقاء النجم الكبير ورأس الحربة المميز جينريخ علي مقاعد الاحتياطيين طوال المباراة، وهو بهذا فقد قائد نصف الملعب الامامي للاوزبك ، الذي يقوم بتنظيم الاداء من نصف ملعب المنافس ، بالاضافة الي أدواره الاساسية كصانع لعب ومنظم لموجات الهجوم ورأس حربة هداف ، والخطأ الثاني الاساسي في تغيير طريقة اللعب للمرة الثالثة ، فبينما كان يلعب في بداية مبارياته بطريقة 4/4/2 ، المتطورة الي 4/2/3/1 ، قام بتغييرها امام الاردن إلي 3/5/2 ، ثم انتقل إلي رسم تكتيكي جديد ، فبدأ امام استراليا بطريقة 4/3/2/1 ، وهذا التغيير والتنويع في مباريات متتابعة يفقد لاعبي الفريق تركيزهم وحفظهم لمهام مراكزهم .
وهكذا مثلا نسي حسنوف التزامه بالميل للجانب الايمن من خط الوسط دون التوغل في العمق ، وعندما لم لم ينفذ ذلك ، فقد أهم أدواره في سحب الفريق ، وفقد خطورته امام مدافعين اقوياء ، يتميزون بالسرعة ولا يمكن مراوغتهم بسهولة .. ونفس الشيء حدث في الادواروالمهام الاخري لابرز مفاتيح الفريق ، فصانع اللعب وعقل الفريق جيباروف ، أهمل دوره الاساسي في قيادة الوسط ، والجمع ما بين الواجبات الدفاعية والهجومية ، ونسي ملكة التسديد ، ولم يظهر له الزملاء المساندون مثل ثلاثي دفاع الوسط حيدروف وشاتسكيخ وكابادزه ،الذين تراجعوا للدفاع من نصف ملعبهم ، فافتقد الفريق للربط بين دفاعه وهجومه ، وأربكوا بذلك زملائهم المدافعين ، فتضاعفت الاخطاء .
.
وتورط المدرب فاديم وجميع لاعبيه في أنهم انقادوا بشكل أعمي للايقاع السريع الذي لعب به الاستراليون، وكانوا أشبه بالقطار الذي لايستخدم الصافرات ولا يقف في المحطات ، وكانت ورطة الاوزبك، أنهم سعوا لتقليد الاستراليين، بشن هجمات سريعة ، وبعدد كبير من اللاعبين وبدون أسس سليمة للارتداد للتغطية والتأمين ، مما فتح الثغرات في خطوطهم وضاعف من الاخطاء الهدف المبكر لكيويل والارتباك الذهني ، حيث لم يجهز ابراموف لاعبيه نهائيا لهذا السيناريو ، وتورطوا جميعا في اللعب باستعجال لادراك التعادل او الاقتراب من منافسهم ، ولما كانوا يفشلون ويتعرضون للسعات النحل الاسترالي النشط من خلال إضافة أهداف جديدة ، كان يزداد توترهم وارتباكهم وأخطائهم القاتلة التي استغلها الاستراليون بلا رحمة وحققوا انتصارا تاريخيا لاينسي ، ويكفي أنهم سجلوا الرقم القياسي لبطولة الدوحة في مرمي الاوزبك !
.
ويستحق منتخب استراليا كل التهنئة لان لاعبيه أدوا أروع مبارياتهم في البطولة ، ولعبوا باستراتيجية هجومية باغتوا بها منافسهم من البداية ، وسجلوا في مرماه مبكرا ، ولم يكتفوا أبدا بكل ما أحرزوه من أهداف ، راغبين في تسجيل المزيد بشكل أخرج منافسهم عن حالة الهدوء والتركيز ، أما سر روعة وتناغم الاداء الاسترالي، فلأن الفريق لعب بطريقته المعروفة 4/4/2 ، وبتشكيله الذي تغلب به علي الاردن ، وكان كل اللاعبين نجوما ، بداية من الحارس العملاق شوارزر ، ومرورا بقلبي الدفاع لوكاس نيل وساسا، والظهيرين ويلكشير وكارني ، ورباعي الوسط وخاصة لاعبي الارتكاز جديناك وكارل فاليري، والجناحين بريت هولمان ومكاي، وأخيرا رأسي الحربة هاري كيويل (أو هاري "بوتر" كما يطلق عليه الاتراك افتتانا بنجم سينما المراهقين) ، ومعه زميله تيم كاهيل، وحتي الاحتياطيين كلكيني وامرتون وكروس تألقوا وكان لهم حظ من النجومية .. والغريب عندما تتأمل في قائمة أصحاب الاهداف الستة ، ستجد من بينهم لاعبين في كل الخطوط والاغلبية للمدافعين ، فقد سجل قلب الدفاع ساسا والظهير كارني، ومدافع الوسط فاليري ، وسجل ايضا البدلاء لاعب الوسط امرتون والمهاجم كروس ، ولا ننسي هدف البداية لهاري "بوتر" لانه كان نقطة التحول في المباراة لكشف النمر الورقي الاوزبكي!
ويبقي خلف هذه المنظومة بلا شك المدرب الالماني هولجر اوسييك ، وبالتأكيد أنه أحسن إعداد لاعبيه ووضع الخطة المناسبة ولعب علي مفاجأة منافسه ، ولكنه يدين بالشكر بالتأكيد للمدرب الاوزبكي الذي سهل مهمته ،وأظهره في دور عبقري التدريب - وهو ليس كذلك بكل تأكيد- وخير دليل علي ذلك فوزه بهدف الثواني الاخيرة علي أسود الرافدين العراقي بعد مباراة متكافئة لولا تفريط نجوم الهجوم العراقي عماد محمد ويونس محمود ومصطفي كريم في اقتناص الاهداف السهلة التي لاحت لهم ، ولو استثمروا هذه الفرص، لكان العراقيون والعرب أصحاب هذا الفرح التاريخي في اكتساح الاشقاء الاوزبك .
أخيرا يستحق الثناء، الحكم الدولي الاماراتي علي حمد ومساعديه ، وخاصة في إدارته للمباراة بسلاسة وعدم تساهله في طرد رأس الحربة المتوتر كاباييف ، ولا تعاطفه في بعض القرارات لصالح الفريق المهزوم، رغم أن الفريق الفائز بالستة لم يكن سيعترض علي ذلك .
عزالدين الكلاوي