ينقص الشارع البرازيلي فقط عرض رديئ للمنتخب، لمزج غضب الشعب
ينقص الشارع البرازيلي فقط عرض رديئ للمنتخب، لمزج غضب الشعب المحتج على الحالة الاقتصادية مع خيبة أمل جمهور كرة القدم والضغط مجدداً على المونديال ومنظميه.
هذه ليست البرازيل التي انتظرها الجميع منذ قرار استضافتها كأس العالم 2014، فالمتابع توقع عروضا ساحرة لان «السيليساو» سيلعب على ارضه وبين جمهوره لكن الصدمة كانت كبيرة من المنتخب الذي يدربه لويز فيليبي سكولاري بعد ان لعب مباراتين، فاز في الاولى على كرواتيا في الافتتاح 3-1 و تعادل في الثانية مع المكسيك 0 0 اول من امس ضمن منافسات المجموعة الاولى.
امام كرواتيا، خرجت البرازيل بثلاث نقاط لكنها لم تقنع المتابعين فنيا بالاداء الذي قدمته في العرض الاول لها، واترك الحديث عن الحكم الياباني يويشي نيشيمورا واخطائه الفادحة التي لعبت دورا في انتصار المنتخب الاصفر، وجاء لقاء المكسيك ليبرهن ان منتخب البلد المضيف الذي اشتهر بانه مصدر البهجة في كرة القدم يعاني من الكآبة في ادائه.
ربما تتأهل البرازيل الى الدور الثاني، وقد تتمكن من الفوز بكأس العالم للمرة السادسة في تاريخها، لكن المعطيات التي أخرجتها المباراتان امام كرواتيا والمكسيك تدل على ان هذا الفريق ليس برازيليا، وهو الأمر الذي أبدى فيه الخبير بشؤون كرة القدم بول غاردنر خشيته من ترك البرازيل هويتها اعتمادا على الغاية تبرر الوسيلة لخوض البطولات.
وكتب غاردنر في مقال له في «وورلد سوكر» في اغسطس عام 2008 «هناك تحولات نوعية في عالم الساحرة المستديرة، فنلاحظ أن روسيا تقترب في ادائها من البرازيل بينما تلعب الاخيرة بطريقة تشبه أداء منتخب النرويج».
واتضح للمتابع ضياع هوية منتخب البرازيل الاصلية منذ الدقائق الأولى في مباراة كرواتيا وتعززت أمام المكسيك، فغابت اللعبة البرازيلية؛ التمرير السريع، تناقل الكرة بذكاء، الحركة ككتلة واحدة، السيطرة على الملعب بسلاسة، اللمسة الراقية، الخدعة، كل تلك المظاهر انتظرها المتابع ولم يبد منها شيئاً ابدا.
ولم يكن مفاجئا هذا الظهور الباهت للبرازيل، فالمسؤولون دأبوا على التعاقد مع مدربين لا يكترثون بتراث كرة القدم البرازيل الجميل بل طمحوا لتحقيق النتائج فقط كما قال سكولاري ذات مرة : «سجل شرف كأس العالم يضم منتخب 94، ومنتخب 2002 بينما «برازيل 82» لا يوجد له ذكر في هذا السجل».
الجدل حول اللعب بجمالية أو بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة مستمر منذ أمد بعيد، غير أن البرازيل لا تخضع لمثل هذا النقاش لأنها أساس متعة كرة القدم، والطفل يولد فيها ومعه المهارة لذلك من البديهي أن يتميز الأداء البرازيلي بالمتعة والبهجة، وارغامه على معاندة طبيعته فيه ظلم له وللجمهور واللعبة ذاتها.
وأضاعت البرازيل الطريق بسبب الفلسفة الجديدة لمدربيها في الأعوام الاخيرة الذي اهتموا بالانضباط على حساب اللعب الجميل، كما ساهم المال في اوروبا في فقدان منتخب السامبا تقاليد الكروية القائمة على المتعة والجاذبية، بعد ان جذبت القارة العجوز بأجورها المرتفعة معظم المواهب البرازيلية حتى اصبح الفكر الاوروبي راسخا في ذهن لاعب السليساو، وهو فكر يفتقد للمسات الخيال فيما يعتمد على القدرة البدنية والتكتيك والانضباط.
ويتساءل المتابع عن العناصر التي تمثل منتخب البرازيل وحول اذا ما كانت الافضل في الدولة التي اشتهرت بضخ الموهوبين في كرة القدم، غير ان معرفة اسلوب سكولاري يجيب بسهولة عن ذلك التساؤل لان «فيل الكبير « يعتمد على لاعبين يطبقون اسلوبه ولا يبحث عن الافضل والاكثر مهارة، واتى الفوز بكأس القارات العام الماضي ليرسخ ثقة سكولاري بهذه المجموعة، لذلك يستبعد المتابعون مشاهدة عروض «الفن الجميل» في المونديال الحالي حتى في حال وصوله الى النهائي مع الوضع في عين الاعتبار أن حماس الجمهور والاثارة التي ستشهدها الملاعب لا علاقة لها باسلوب اللعب الجميل (joga bonito).
وثمة شروط أساسية لتطبيق «جوغا بونيتو» القائمة على السيطرة على الكرة بجمالية، اهمها القدرة على ترويض الكرة فور وصولها، في أي زاوية وبأي سرعة، ودون أي جهد كما تحتاج المهارة الفردية والحركة السريعة على الكرة واللعب بلمسة او اكثر، لكن باستثناء نيمار وربما اليكس لا يمكن لمنتخب البرازيل الحالي تطبيق هذا الاسلوب الشيق، وفي الواقع ان البرازيل سيطر امام المكسيك على الكرة بطريقة بلهاء حيث كان اللاعب حائرا في التمرير وبدت الفوضى واضحة في الالعاب وظهرت الخطورة في الكرات الثابتة ما يوحي المعاناة في خلق الفرص.
ومع العرض الباهت الثاني، تعرض سكولاري للنقد من الاعلام البرازيلي الذي وضع يده على قلبه، فالعاملون فيه مستعدين للتضحية بالعروض الجميلة مقابل الانتصارات الا ان الواضح ان البرازيل حاليا لا تستطيع اقناع المتابع بأنها ستنتصر مستقبلا على المنتخبات القوية وفي تلك الحالة تبدو الخسارة ثقيلة فهي لن تحرز اللقب فيما تخلت مسبقا عن تراثها الجميل.
وصمت النقاد العام الماضي عن سكولاري اثر فوزه بكأس القارات بعد ان هاجموا الاتحاد البرازيلي لتعاقده معه في نوفمبر 2012 وانهاء خدمات المدرب السابق مانو منزيس، لان سكولاري أمسك بزمام امور المنتخب بعد ان سقط ناديه بالميراس للدرجة الثانية، وتمترس الاتحاد البرازيلي في قراره خلف صورة سكولاري الفائز بكأس العالم 2002 لاقناع الجمهور باختياره، لكن الجميع كما يبدو نسي من كان معه في تلك النسخة من نجوم.
وحاولت مجلة «لانس» البرازيلية اعادة الفكر القائم على الاداء الجميل بعد قيامها بحملة من اجل التعاقد مع مدرب يقدر «فن كرة القدم» ويحفظ تراث البرازيل في الساحرة المستديرة ووجهت رسالة مفتوحة الى رئيس الاتحاد البرازيلي للعبة جوزيه ماريا مارين تدعوه فيها لتعيين الاسباني بيب غوارديولا مدربا للبرازيل، وجاءت الرسالة عقب اقالة مانو مينزيس وقبل تعيين سكولاري، وفي وقت كان فيه غوارديولا مستمتعا باجازته الطويلة بعد تركه برشلونة وقبل اعلان تعاقده مع بايرن ميونيخ الالماني.
وجاء في الرسالة: «عزيزي الرئيس مارين نوجه لكم الرسالة املين منكم جلب بيب غوارديولا للمساهمة في عودة بلادنا الى ارثها الخاص في كرة القدم».
ويشعر نقاد برازيليون بالحسرة لضياع الصورة الجميلة للبرازيل ويتذكرون بأسى العصر الذهبي بين عامي 1958 و1970 وكذلك عروض المنتخب الاكثر امتاعا في مونيدال اسبانيا 1982، ويتساءل الكاتب البرازيلي تيم فيكيري: «منحنا الغرباء والأجانب جوغا بونيتو الرهيبة، والان ماذا يمكن ان نأخذ أو نتعلم منهم؟».
وربما لم يدون التاريخ «البرازيل 82» بطلا في سجلاته لكن عروض المنتخب الذي ضم سقراط وسيريزو وفالكاو وايدير وزيكو وجونيور ولياندرو مازالت تبعث السرور في نفوس المتابعين حتى اللحظة، وظلت المباريات التي لعبها خالدة في الذهن حتى خسارته امام ايطاليا 2-3 كانت واحدة من أجمل المباريات على مر العصور.
وصعد منتخب «البرازيل1982» الى مستويات جديدة من الابداع في كرة القدم، لكن الحظ لم يحالفه للظفر باللقب، ويفسر النجم الراحل سقراط الامر بعبارته: «كأس العالم ليست منافسة منصفة، هي معرض لكرة القدم، كنت أتوقع الفوز باللقب مع منتخب مثل البرازيل الذي كان في عام 1982، لكن في كأس العالم حيث تخوض أكثر من نصف المباريات بنظام خروج المغلوب كل شيء ممكن، ولايمكنك ان تعول على الجدارة كثيرا».
المشكلة في «برازيل 2014» انه لم يثبت جدارته حتى الان للفوز باللقب فيما لم ينهك سكولاري نفسه للبحث عن لاعبين بدلا من راميريز وفريد وجو وباولينيو ليحظى الجمهور بعروض جذابة على الاقل.
** نقلا عن جريدة "النهار" الكويتية